التمويل السلوكي

FinMarkets

 تنص فرضيات علوم التمويل والاقتصاد دائماً على عقلانية المستثمرين وكونهم أشخاص يبحثون دائماً إلى تعظيم الثروة من خلال قراراتهم الاستثمارية التي يتخذونها ــ بجميع أشكالها ــ سواء مباشرة أو عن طريق من ينوب عنهم. إذاً، بناء على هذا المبدأ، لماذا يقوم المستثمرون باتخاذ قرارات خاطئة تؤدي إلى الخسارة؟ بذات الوقت، ممكن أن يُطرح السؤال بصيغة أخرى، ما الذي يميّز المستثمر الناجح عن المستثمر الفاشل، على الأقل من الناحية النفسية والإدراكية؟ هذا ما يهتم به التمويل السلوكي، وهو أحد الأفرع الجديدة ــ نسبياً ــ في التمويل والاقتصاد

 لإعطاء صورة مبدئية عن مداخل التمويل السلوكي، لنأخذ المثال التالي: لنفرض أنك مستمثر عقلاني تبحث عن تعظيم ثروتك عن طريق الاستثمار في الأصول التي تجلب أعلى العوائد وأقل المخاطر، وعُرض عليك أن تختار بين السيناريوهات التالية

 ــ أن تحصل على 100,000 دولار [الاحتمالية: 50%] ــ

أو

ــ أن تحصل على 50 مليون دولار [الاحتمالية: 5%] ــ

 في الغالب، سيختار الناس السيناريو الأول، لإن الإنسان بطبعه يتجنب المخاطر ويميل إلى المألوف دائماً، وهو ما يضع الخيوط الأولى للتمييز بين المستثمر المُخاطر الذي يطمع بعوائد أكثر مقابل مخاطر أكثر، والمستثمر الأقل جرأة والذي يبحث عن عوائد قليلة وثابتة. للتأكيد، الهدف من هذا المقال ليس المفاضلة بين السياسات الاستثمارية ولا الميل نحو مستثمر دون الآخر، ولكن الهدف هو وضع الأعمدة الأساسية لفرع التمويل السلوكي انطلاقاً من العلاقة بين المخاطر والعوائد. لنضرب مثالاً آخر، لماذا تصر نسبة كبيرة على المشاركة في مسابقات اليانصيب التي لا تزيد احتمالية الفوز بها عن 0.0000006849% أي شخص واحد لكل 146 مليون شخص؟ ربما بسبب العلاقة بين العائد ونسبة المخاطرة، فنسبة المخاطرة قليلة في تلك المسابقات، كون التذاكر تباع بأسعار زهيدة ــ نسبياً ــ مقابل عوائد خيالية تصل إلى ملايين الدولارات

00e34cf

 أخذ هذا الفرع شعبية كبيرة في السنوات الأخيرة، إلى درجة حصول البروفسور دانيل كانمان ــ وهو عالم نفس ــ جائرة النوبل في الاقتصاد لسنة 2002 بسبب أبحاثه العديدة في هذا المجال، فيعتبر البروفسور دانيل أحد أعمدة التمويل السلوكي اليوم. ولكن، دائماً ما يتعرض هذا الفرع لنقد لاذع لاختراقه أحد أهم فرضيات التمويل الحديث، وهي فرضية كفاءة الأسواق، والتي تنص ــ بشكل مختصرــ على أن الأسواق المالية تتميز بالكفاءة التي تضمن انعكاس الأخبار والمعلومات بأسعار الأصول (بغض النظر عن درجات الكفاءة). وفي ذات الوقت، ينتقد أتباع التمويل السلوكي فرضية كفاءة الأسواق من المنطلق الآتي: لماذا تتغير أسعار الأصول بشكل ينافي فرضية الكفاءة في بعض الأحيان؟ بمعنى آخر، لماذا تتغير أسعار الأصول في ظل عدم وجود معلومات جديدة، أي في أوقات المضاربة على سبيل المثال؟ بالتالي، يعتقد أتباع التمويل السلوكي أن سلوكيات المستثمرين في ذاك الوقت هي المسؤولة عن التغيرات في الأسعار، بغض النظر عن كفاءة الأسواق

 في سلسلة من المقالات القادمة، سيتم التطرق إلى أحد أشهر الأخطاء السلوكية والإدراكية التي يقع بها المستثمرون، والتي تخلق سيناريوهات متكررة مثل تأثير شهر يناير، والمحاسبة العقلية التي يقوم بها المستثمرون


Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.