التصنيفاتالاقتصادالعملات الرقمية

هل أصبح للعالم عملة عالمية موحدة؟

كتبت أكثر من مرة عن بيتكوين، لإعجابي الشديد بالنموذج الذي تعمل من خلاله، والذي قام باختراعه ساتوشي ناكاموتو، الشخصية التي أصبحت محلاً لكثير من الجدل والنقاش، حتى افترض بعضهم احتمالية كون هذا الشخص من وحي الخيال، إلى درجة دفعت البعض إلى اعتبار ساتوشي حاسباً آلياً يعمل وفق نظام ذكاء اصطناعي فائق التعقيد. لعل بذرة البداية كانت الورقة التي نُشرت قبل عدة سنوات ــ من مصدر مجهول ــ لتشرح النظام البرمجي الأساسي التي قامت العملة عليه. للمهتمين، يمكنك قراءة الورقة عن طريق هذا الرابط.

منذ نشأة الأنظمة الاقتصادية التي عاصرها الإنسان ــ باختلاف أشكالها ــ، كانت تحتكر الحكومات الحق في إصدار النقد أو العملة الرسمية للدولة، مما يعطيها الحق الكامل في التحكم في قيمة هذه العملة سواء داخلياً ــ عن طريق القوة الشرائية ــ أو خارجياً ــ عن طريق أسعار الصرف ــ، حتى تكونت مع مرور الوقت مقومات يجب على كل عملة رسمية الاستناد إليها، ككونها قابلة للإيداع ونقل الملكية على سبيل المثال. الجميل أن بيتكوين تستوفي جميع الشروط التي “تصف” العملات الرسمية للدول، إضافة إلى ذلك، تقوم بيتكوين بإلغاء الحدود الاقتصادية بجميع أشكالها، فهي لا تخضع لرقابة أي حكومة حول العالم ــ وهي النقطة المثيرة للجدل ــ، ولا تخضع إلى أية أسعار صرف أو عمولات، إضافة إلى كونها عملة رقمية بالكامل، أي أنك لن تجد أوراق بيتكوين أسوة بالعملات التقليدية. تعمل العملة بشكل يجعل من المستخدمين بنكاً مركزياً اعتماداً على استعمالهم لها، لخلق قوى العرض والطلب، مما يذكرنا ــ ولو بشكل مبهم قليلاً ــ بمفهوم اليد الخفية لآدم سميث.

إذاً، هل وجد العالم ــ أخيراً ــ عملة عالمية موحدة؟ من ناحية اقتصادية بحت، نعم، ولكن من ناحية سياسية، بالطبع لا. كما ذكرت سالفاً، تلغي بيتكوين الحاجة لطرف ثالث في أي تعامل تجاري أو نقدي، فلا حاجة للبنوك المركزية، ولا حاجة لأي شكل من أشكال الوساطة المالية. إذاً، من ناحية المبدأ، تعميم بيتكوين حول العالم سيلغي الاستقلالية الاقتصادية لجميع دول العالم. لإعطاء تصوّر واقعي للموضوع، ليس هناك مثال أفضل من عملة اليورو، كعملة موحدة بين دول الاتحاد الأوروبي. استفادت الكثير من الدول الأوروبية ــ وخصوصاً تلك المتعثرة اقتصادياً ــ من توحيد العملة، ولكن بالمقابل، تضررت الدول المتقدمة اقتصادياً كألمانيا بسبب الحاجة المستمرة لمساعدة الدول الأعضاء اقتصادياً، مما أدى إلى تباطؤ العجلة الاقتصادية لألمانيا. بالإضافة إلى ذلك، لعل أكثر نقطتين إثارة للجدل هما السياسات النقدية للدول والقوة الشرائية للعملة. قد يكون هناك طابعاً مشتركاً بين الدول الأوروبية ــ على الرغم من اختلافاتها ــ، مما يسهل العملية للبنك المركزي الأوروبي في خلق سياسة نقدية تتوافق مع جميع الدول الأعضاء، ولكن عند التحدث عن عملة عالمية موحدة، يصبح خلق سياسات نقدية عالمية موحدة أمراً شبه مستحيل بسبب التباين الشديد للبيئات الاقتصادية حول العالم. أما بالنسبة للقوة الشرائية للعملة، قد لا تكون بيتكوين العملة المثالية من هذه الناحية، لسبب واضح، أي تذبذب يصيب العملة ــ لأي سبب من الأسباب ــ سيخلق موجة تذبذب عالمية تصيب القوة الشرائية بشكل مباشر. على سبيل المثال، في الوضع الحالي، أسعار القهوة لن تتغير داخلياً في حال تغير سعر الصرف، أما إذا كان العالم يتعامل بعملة موحدة وهي بيتكوين، ستتغير أسعار القهوة بتغير أسعار بيتكوين استناداً إلى قوى العرض والطلب.

أعتقد شخصياً أن القرار أصبح بيد الشعوب حول العالم، إذا قررت الشعوب التخلي عن عملاتها التقليدية والتحرك نحو عملة رقمية مشفرة كبيتكوين، ستصبح ــ ولو نظرياً ــ هناك عملة عالمية موحدة، وستواجه حينها الحكومات صعوبات شديدة في إبقاء عملاتها التقليدية على قيد الحياة، إلا إذا عملوا على مواكبة بيتكوين بطريقة ما، كتطبيق تكنولوجيا تسلسل القطع للعملات الرسمية التقليدية. واقعياً، لا أتوقع حدوث هذا الأمر في السنوات القادمة نهائياً، لإنني مؤمن أننا نحتاج إلى عقود من الزمن للتخلي عن الفكر الاقتصادي السائد حالياً، وهو ربط العملات بجهة مركزية موحدة كالحكومات.

في المرحلة الحالية، قد يبدو الوضع تجارياً عندما يتم التحدث عن بيتكوين، فغالباً ما يتم الترويج لها من جانب تسويقي للأسف، وذلك لسبب بسيط، أكبر ملّاك بيتكوين حالياً كانوا من ضمن أوائل المستثمرين في العملة، عندما كانت أسعارها زهيدة جداً. على سبيل المثال، كانت العملة الواحدة من البيتكوين لا تتعدى الدولار، ولكن بعد عدة سنوات، وصلت قيمة الوحدة الواحدة إلى أكثر من المئة دولار. بالتالي، أعتقد إنها وجهة نظر سديدة عندما يتم اتهام بيتكوين بأنها عملة مسوّقة من قبل البعض لأغراض شخصية بحت. لا تهمني العملة ذاتها بقدر ما تهمني الآلية التي تتعامل من خلالها والتكنولوجيا المبنية عليها، فكما ذكرت في الفقرة السابقة، هذا التطور التكنولوجي قادم لا محالة، ولعل أبرز الدلائل هو الاهتمام الحقيقي من قبل البنك المركزي الكندي وبنك انجلترا بتكنولوجيا تسلسل القطع، وهي الدينامو المحرك لبيتكوين.

نُشرت بواسطة عبدالرحمن الفرهود

عضو هيئة التدريس في كلية الدراسات التجارية، وطالب دكتوراه حالياً في جامعة مانشستر، بعيداً عن الدراسه والعمل، أتداول في سوق الأسهم الأمريكي وسوق العملات الرقمية.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.