التصنيفاتالاقتصاد

الخصخصة: المحطة القادمة

منذ أكثر من 30 سنة و تحديدا في تسعينيات القرن الماضي بعد سقوط الاشتراكية في أوروبا الشرقية و الاتحاد السوفيتي اصبحت الخصخصة (Privatization) ظاهرة اقتصادية حيث أصبح تقليص حجم اقتصاد القطاع العام للدولة جزء من برنامج الاصلاح الاقتصادي. الخصخصة بمفهومها العام تتضمن إعطاء القطاع الخاص دور مؤثر في اتخاذ القرارات المعنية بـ من و أين و كيف تنتج السلع و الخدمات، أما بمفهومها الضيق فهي نقل ملكية الأصل من القطاع العام (الحكومة) إلى القطاع الخاص أو قد تعني قيام الدولة بتكليف القطاع الخاص بالقيام ببعض الخدمات كتحصيل أموال الضرائب، أو إدارة السجون. و من المهم جدا قبل الإسهاب في هذا المقال أن ننوه أن الخصخصة ليست ترياقا لجميع السموم.

سابقا في بداية أشكال الدولة في التاريخ الحديث كانت أنشطة الحكومات مقتصرة على الأنشطة الرئيسية كالدفاع و القضاء، أما حاليا مع تطور شكل الدولة الحديثة فقد ظهرت للدولة أنشطة أخرى لا تقل أهمية عن أنشطتها الرئيسية سالفة الذكر و منها الإقتصاد و التعليم و الصحة و غيرها حتى أن مسؤوليات الدولة في النشاط الواحد أصبحت أكثر من السابق مما أثقل كاهل القطاع العام في الدولة الذي يتطلب منه التركيز أكثر على سياسات الدولة العليا. و يتمثل ذلك بتضخم بند المصروفات في ميزانية الدولة و انخفاض جودة الخدمات التي يقدمها القطاع العام للمواطنين. و إزاء هذه المشكلة تقوم بعض الدول بخصخصة جزء كبير من القطاع العام و ذلك للتخلص من المصروفات و رفع جودة الخدمات في الوقت ذاته. و حينها يقتصر دور القطاع العام بالرقابة لضمان تحقيق الأهداف المرجوه من الخصخصة.

الهدف المرجو و النتيجة المثالية المرتقبة من خصخصة مؤسسه مملوكة للقطاع العام هي زيادة كفاءة الأداء و الإنتاجية لدى تلك المؤسسة و لدى اقتصاد الدولة بشكل عام عن طريق تحسين التنافسية و توزيع الموارد في أسواق المال حيث أن القطاع الخاص بطبيعة الحال يهدف إلى زيادة الأرباح قدر الإمكان بعكس القطاع العام الذي جل ما يصبو إليه هو توفير الخدمات للمواطنين دون الاهتمام بتحقيق الأرباح. بالإضافة إلى إراحة كاهل القطاع العام من جزء كبير من بند المصروفات.

لكي تصح مقارنة و تقييم برامج الخصخصة من دولة إلى أخرى، وفقا للبروفسور جون فيكرز و جورج يارو، يجب تقسيم الخصخصة إلى ثلاثة أنواع:

1- خصخصة المؤسسات ذات التنافسية العالية: أي تحويل مؤسسة مملوكة للقطاع العام تعمل في سوق تنافسي إلى القطاع الخاص.

2- خصخصة الاحتكارات (Monopolies) : أي تحويل قطاع عام محتكر النشاط بالسوق إلى درجة كبيرة و يمتلك قوة سوقية عالية إلى القطاع الخاص.

3- تعاقد القطاع العام مع القطاع الخاص لتوفير الأخير لخدمات كانت ممولة سابقا من القطاع العام.

Privatization

من أهم الفروقات بين النوع الأول و النوع الثاني هو أن الحكومات عادة ما تمتلك بعض وسائل الرقابة، عن طريق فرض القوانين، إذا كان القطاع المراد خصخصته سوف يُحتكر من قبل شركة معينة أو بعض الشركات. و الجدير بالذكر هنا هو أن الفرق ما بين إبقاء المؤسسات من هذا النوع عند القطاع العام أو خصخصته يكاد يتلاشى في حال وجود ضوابط حكومية تتدخل في شأن القطاع الخاص و تزداد هذه الفرضية صحة في حال وجود مناخ سياسي فاسد في الدولة.

فرنسا على سبيل المثال من الدول التي قامت بخصخصة قطاعات تنافسية مثل البنوك و شركات التأمين في الفترة بين 1986 و 1988، بينما بريطانيا قامت بتطبيق برامج خصخصة تشمل الثلاث أنواع كخصخصة قطاعات الاتصالات و الطاقة و المياه. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد قامت بالتركيز أكثر على النوع الثالث من الخصخصة المتضمن التعاقد مع القطاع الخاص لتوفير خدمات كتحصيل القمامة و تنظيف المستشفيات.

في المقال القادم بإذن الله سوف نتطرق أكثر للخصخصة و طرقها و نناقش بعض برامج الخصخصة التي طبقتها بعض الدول.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.