التصنيفاتالاقتصاد

معامل جيني وتوزيع الثروات

لا زالت الاختلالات في توزيع الدخل والثروات محل الكثير من الدراسات الاقتصادية، ولعل معامل “جيني” هو أحد أشهر المؤشرات الاقتصادية التي يتم استخدامها لدراسة هذه الاختلالات من منظور إحصائي، وتمت تسميته بهذا الاسم نسبة إلى البروفيسور الإيطالي كورادو جيني الذي استحدث هذا المؤشر في ورقته المنشورة في سنة 1912 تحت عنوان “التباين وقابلية التحول” إن صحت الترجمة. والجدير بالذكر أن معامل جيني مبني على منحنى لورينز، وهو الاقتصادي الأمريكي الذي قام باستحداث هذا المنحنى في سنة 1905 لتصور الاختلال في توزيع الدخل بصورة رسم بياني فقط، وقام “جيني” بعدها بإعطاء هذا التصور بعداً رياضياً، ليتم بعد ذلك ترجمة المنحنى إلى أرقام.

ويوضح الرسم البياني التالي منحنى لورنز ــ Lorenz Curve، حيث يشكل الخط الأزرق الخط المثالي لتوزيع الدخل:

(Source: Econfix)

ُيلاحظ من الرسم البياني أعلاه أن النسب المئوية للدخل وعدد السكان نسب تراكمية، أي أنها تتزايد بشكل تراكمي حتى تصل إلى النسبة الكاملة (100%)، بمعنى آخر، تستطيع إيصال كل نقطة في أي محور مع النقطة التي تتطابق معها في المحور الآخر. على سبيل المثال، وفي الرسم البياني السابق، 60% على المحور السيني في منحنى لورنز يقابلها تقريباً 20% على المحور الصادي، أي أن 60% من عدد السكان يحققون 20% فقط من مجموع الدخل للدولة، مما يعطي انطباعاً عاماً عن مستوى توزيع الدخل.

قام البروفيسور جيني بأخذ هذا المفهوم خطوة إلى الأمام وذلك بتحويله إلى مؤشر رقمي يتدرج من “0” إلى “1” وذلك من خلال حساب المساحة الواقعة أعلى منحنى لورنز، ومقارنتها مع مجموع المساحة للمثلث بالكامل، كما يبين الشكل التالي:

 بالطبع، تُسهّل عملية التحويل آليات المقارنة بين الدول، فالفروقات تصبح أوضح بكثير عند تحويلها إلى أرقام عوضاَ عن الاعتماد على الرسوم البيانية فقط، لذلك، وكما هو مبيّن من الشكل السابق، يمكنك الاستنتاج بأن “0” تعني بأن الدخل بالكامل يذهب إلى شخص واحد (أو جهة واحدة) فقط داخل الدولة، أي أن منحنى لورنز سيختفي بالكامل وسنتجه بعيداً عن الخط المثالي لتوزيع الدخل، بينما “1” تعكس التوزيع المثالي للدخل، ويتطابق عندها منحنى لورنز مع الخط المثالي لتوزيع الدخل، أي بشكل عام: يقل الاختلال في توزيع الدخل كلما انخفض معامل جيني، والعكس صحيح. ويمكنك الإطلاع على معاملات جيني حول العالم لأخذ فكرة عن توزيع الثروات عالمياً، وتجدر الإشارة في هذا الجانب أن بعض المراجع الاقتصادية تقوم بضرب معامل جيني بمئة لتحويله إلى نسبة مئوية، كالخريطة التي يوفرها البنك الدولي، والتي يمكنك الاطلاع عليها من خلال هذا الرابط. ويبين الجدول التالي، والذي تم إعداده من قبل البنك الدولي في أحد التقارير التي تطرقت إليها في مقال سابق،  معامل جيني لمجموعة من الدول:

الجدير بالذكر بأن الفكرة العامة لمنحنى لورنز ومعامل جيني يمكن تعميمها لقياس الاتزان (أو الاختلال) في توزيع العديد من المؤشرات الاقتصادية والمجتمعية على عدد السكان، فعلى سبيل المثال، وفي ذات التقرير الخاص بالبنك الدولي، تم احتساب معامل جيني عالمياً لقياس مدى توزيع “التعليم” على عدد السكان، وذلك لتتبع إمكانية أو سهولة الحصول على التعليم لجميع الأفراد في المجتمع، كما يبين الشكل التالي:

ولعل الملاحظة الإيجابية من الجدول السابق هي تحسّن فرص وإمكانية الوصول إلى التعليم حول العالم، ويتضح ذلك بالانخفاض الواضح لمعاملات جيني حول العالم مع مرور الوقت.

نُشرت بواسطة عبدالرحمن الفرهود

عضو هيئة التدريس في كلية الدراسات التجارية، وطالب دكتوراه حالياً في جامعة مانشستر، بعيداً عن الدراسه والعمل، أتداول في سوق الأسهم الأمريكي وسوق العملات الرقمية.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.