التصنيفاتالاقتصاد

الاقتصاد والطاقة المتجددة

ارتبط ذكر الطاقة المتجددة ــ بمخلتف مصادرها وأنواعها ــ بالحفاظ على البيئة بشكل رئيسي، خصوصاً بعد تركيز المجمتع الدولي بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة على المشاكل البيئية كالتصحر والتغير البيئي على سبيل المثال، وقلّ ما يتم التطرق إلى الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، سواء من الناحية السلب أو الإيجاب. لعل السلبيات تتركز بشكل رئيسي على المصالح الخاصة لبعض الشركات والمؤسسات، والتي تتعلق بجانبي التكلفة والمنافسة، وهو ما يفسّر العداء الشديد الذي تحمله بعض شركات النفط والمعادن لبرامج البيئة وضرائب الكربون. لذلك، لن أتطرق إلى سلبيات الطاقة المتجددة وسأركز في هذا المقال على الإنعاكاسات الإيجابية اقتصادياً واجتماعياً.

 بطبيعة الحال، سيتم التركيز بشكل أساسي في هذا المقال على الدول ذات الطابع الصناعي، والدول التي تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع مصادر الطاقة المتجددة، لذلك، لن تأخذ دول المنطقة حيَزاً كبيراً من المقال، وذلك لحداثة تجاربها في مجال الطاقة المتجددة، علاوة على ضآلة قطاعي الصناعة والتصنيع في هذه الدول، وصغر حجم الاقتصاد عند مقارنته بكبرى الدول الصناعية. على الرغم من ذلك، تبقى مصادر الطاقة المتجددة أحد أهم وأفضل الحلول المطروحة حالياً لدول المنطقة ــ وخصوصاً دول مجلس التعاون ــ لمكافحة الانخفاض في أسعار النفط وآثاره الكارثية على الميزانيات.

 لعل الفائدة الأولى للطاقة المتجددة تتجلى بشكل واضح جداً عند النظر إلى الوظائف ومعدلات البطالة، حيث خلقت مصادر الطاقة المتجددة أكثر من سبعة ملايين فرصة وظيفية حول العالم، كان للصين منها نصيب الأسد كما تُبيّن في الصورة التالية. الجدير بالذكر أن الشكل أدناه يعود لسنة 2015، وهو يشكّل نمواً هائلاً بمعدل 18% عن السنة السابقة، و 35% عن السنة التي قبلها، مما يبين الطلب المضطرد على مصادر الطاقة المتجددة، ولعل الصين خير مثال على ذلك كونها تعاني من معدلات تلوث قاتلة.

 

 تصدرت الطاقة الشمسية ــ الألواح الضوئية على وجه الخصوص ــ مصادر الطاقة المتجددة من ناحية عدد الوظائف، كما يبين الشكل التالي، حيث أكثر من مليوني وظيفة حول العالم في ذات السنة، ولعل الفضل يرجع بشكل أساسي إلى الانخفاض الحاد في تكلفة الطاقة الشمسية في السنوات الأخيرة، وبالذات الألواح الضوئية، فهي الآن أقل تكلفة بنسبة 75% مما كانت عليه في سنة 2009، وما زالت التكلفة تأخذ بالانخفاض حتى لحظة كتابة هذا المقال، مما يجعلها استثماراً جذاباً، وهو ما يفسّر العدد الهائل للوظائف. الجدير بالذكر أن المنافسة تحتدم الآن بين إمارتي أبوظبي ودبي للوصول إلى أرخص معدلات التكلفة في الطاقة الشمسية.

 

 

طاقة الرياح أيضاً تعتبر مثالاً جيداً لمصادر الطاقة المتجددة التي أخذت بالنمو بشكل ملاحظ في الفترة الأخيرة، حيث تقوم الآن بتوظيف أكثر من مليون شخص في الولايات المتحدة فقط، لذلك أصبح الحديث عن مصادر الطاقة المتجددة أكبر من مجرّد الحفاظ على البيئة ــ على رغم من الأهمية القصوى لهذا الهدف ــ لأنها أصبحت تمس الواقع الاقتصادي والاجتماعي بشكل مباشر، ولعل المعضلة الكبرى التي تواجه الشركات النفطية ومصانع الطاقة اليوم أن التطور التكنولوجي في استخراج الطاقة المتجددة جعلها متساوية ــ إن لم تكن أقل ــ من ناحية التكلفة مع مصادر الطاقة الناتجة عن الوقود الأحفوري، وهو الذي يقذف بالشركات التقليدية خارج المعادلة، من الناحية الاقتصادية.

 لذلك، السياسات والبرامج الحكومية هي التي ستصنع الفرق، وسيعتمد نجاح مصادر الطاقة المتجددة على درجة تبنّي الحكومات لها، ففي الهند والصين على سبيل المثال، هناك توجّه حكومي واضح جداً نحو مصادر الطاقة المتجددة، ولكن في الولايات المتحدة، وخصوصاً بعد تولّي ترامب للرئاسة ــ  الرئيس الذي لا يؤمن في التغيّر البيئي ــ، لا أتوقع إدراج مصادر الطاقة المتجددة ضمن الأولويات الحكومية. في الشرق الأوسط، تتصدر المغرب والإمارات العربية المتحدة الدول العربية، فتعمل المغرب ــ الدولة التي تستورد ما يقارب 97% من احتياجها للطاقة ــ الآن على مشروع “نور” وهو أكبر مشروع طاقة شمسية في العالم، يغطّي مساحة هائلة تبلغ 4.5 مليون كيلومتر مربع، ومن المتوقع أن يقوم بتوليد 2000 ميغاواط يومياً بحلول عام 2020، ناهيك عن العدد الهائل من الوظائف التي خلقها المشروع، والتكاليف الحكومية التي سيوفرها المشروع على المدى الطويل. ولم تغفل المغرب أيضاً عن طاقة الرياح، حيث تولد مزرعة الطرفية يومياً ما يقارب 300 ميغاواط، وتقلل الانبعاثات الكربونية بمعدل 900,000 ألف طن سنوياً. وفي الإمارات العربية المتحدة، بلغ الاستثمار الحكومي في مصادر الطاقة المتجددة أكثر من 160 مليار دولار، على أمل أن تشكّل مصادر الطاقة المتجددة 44% من المجموع الكلي لمصادر الطاقة للدولة، بحلول عام 2050. الجدير بالذكر أن تجربة الحكومة الإماراتية ليست بجديدة، بل قد تكون الأقدم خليجياً، فقد قامت حكومة أبوظبي قبل أربعة سنوات بالاستثمار في برنامج حكومي يستغل أشعة الشمس لتوليد الطاقة لأكثر من 20,000 منزل في الإمارة.

 أعتقد أن الالتفات لمصادر الطاقة المتجددة في دول مجلس التعاون أصبح أمراً حتمياً ــ بغض النظر عن أسعار النفط ــ، فانخفاض تكاليف الطاقة الشمسية بحد ذاته يعتبر مبرراً أكثر من كافي لخلق برامج حكومية تتبنى هذه الطاقة، وذلك تماشياً مع سياسة دول الخليج في التقشّف وتقليل التكاليف، ويبيّن الشكل التالي ما وصلت إليه دول الخليج حالياً، بناء على تقارير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة.

 

نُشرت بواسطة عبدالرحمن الفرهود

عضو هيئة التدريس في كلية الدراسات التجارية، وطالب دكتوراه حالياً في جامعة مانشستر، بعيداً عن الدراسه والعمل، أتداول في سوق الأسهم الأمريكي وسوق العملات الرقمية.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.