التصنيفاتالاقتصاد

الأثر الاقتصادي للاقتراض الحكومي

مع اقتراب إطلاق أول سندات حكومية في تاريخ الكويت، من المهم جداً أن يتم مناقشة الأثر الاقتصادي لهذه النقطة المحورية في تاريخ الكويت الاقتصادي. على عكس ما يعتقد البعض، العجز في موازنة الدولة هو الأمر الطبيعي، بينما الفوائض المتراكمة عبر السنوات هي الاستثناء. ففي الأوضاع الاقتصادية الطبيعية، تقوم الحكومة بصرف إيراداتها ــ سواء داخلياً أو خارجياً ــ بشكل يخدم اقتصاد الدولة، لتحفيز الطلب الكلي، بمعنى آخر، تقوم الحكومة بضخ هذه الأموال مجدداً في الاقتصاد الداخلي للدولة للدفع بمعدلات النمو الاقتصادي. إنطلاقاً من هذا المفهوم، قد يعتبر الاقتراض الحكومي في بعض الأحيان خط الدفاع الأخير لمواجهة شبح الكساد الاقتصادي، فحينها يجب الترحيب بالاقتراض الحكومي بدلاً عن العزوف عنه. ولكن، يجب أن تتم عملية الاقتراض بإحكام شديد، فعندما تقوم الدولة بإصدار سندات حكومية، سيقوم القطاع الخاص بشراء الغالبية العظمى من تلك السندات، مما سيستنزف الموارد النقدية التي يمتلكها القطاع الخاص، والذي بدوره سيقلل “النشاط الاقتصادي” لشركات القطاع الخاص، والتي تشكّل القلب النابض لنمو الاقتصاد الداخلي للدولة، فإذا تباطأت عجلة الانتاج، سيتباطأ معها النمو الاقتصادي للدولة. لكن، بشكل عام، يجب التمييز بشكل واضح بين الدول التي أعلنت عجزاً في الموازنة لأول مرة، والدول التي اعتادت على العجز ــ والذي يطلق عليه في هذه الحالة عجزاً هيكلياً ــ، لأن بعض الآثار تأخذ فترة زمنية طويلة حتى تظهر جلياً. ولعل أحد أفضل المؤشرات ــ وأشهرها ــ لإظهار الاثر الاقتصادي للاقتراض الحكومي هو نسبة الدين الحكومي إلى الناتج الإجمالي المحلي، لأنه يبّين العلاقة الواضحة بين الدين الحكومي، والناتج الإجمالي المحلي، فهناك علاقة عكسية بين معدلات الاقتراض الحكومي ومعدلات النمو الاقتصادي، وهي علاقة مثبتة أكاديمياً في العديد من الدراسات المنشورة.

alfredgraph

 إذاً، ما الآثار الاقتصادية المترتبة على اقتراض الحكومات؟ وما الآثار الاقتصادية المتوقع ترتبها نتيجة الاقتراض الحكومي لدولة الكويت؟ لعل التجارب الأمريكية والأوروبية تعتبر خير مثال للأجوبة على تلك التساؤلات، فقد بلغت ديون الحكومة الأمريكية حتى هذه اللحظة أكثر من 19 تريليون دولار، وكان رد الفعل الطبيعي زيادة معدلات الضرائب وتقليل الإنفاق الحكومي على الصناديق التقاعدية وتحويل الإنفاق إلى قنوات القطاع الخاص بشكل رئيسي. بالتالي، تقل القوة الشرائية تدريجياً مع مرور الوقت، وتنخفض معدلات الطلب الكلّي، مما يؤدي إلى تباطؤ العجلة الاقتصادية على المدى الطويل. إضافة إلى ذلك، تتنافس الجهات الحكومية مع الجهات الأخرى المصدّرة للسندات، فقد تضطر لإصدار سندات بمعدلات فائدة جاذبة للمستثمرين، بمقابل معدلات خطورة شبه صفرية ــ لأن الحكومات لا تحمل مخاطر ائتمانية ــ، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الفائدة، ويمكن لذات السيناريو أيضاً أن يحدث عندما يقل الطلب على السندات الحكومية، لتهبط أسعارها، وترتفع عوائدها في المقابل، فعندها يكتمل مثلث الكارثة الاقتصادية المتمثّل في ارتفاع معدلات الفوائد، انخفاض الطلب الكلي، وانخفاض القوة الشرائية للمستهلك. شخصياً، لا أتوقع ارتفاع مخاطر تغيّر أسعار الفائدة في الكويت بسبب غياب العجز الهيكلي ــ ولله الحمد ــ في الدولة، ستحظى السندات الحكومية الكويتية بمعدلات طلب هائلة، كما حدث تماماً عند طرح السندات الحكومية للمملكة العربية السعودية، بسبب الوضع المالي الجيّد لدول الخليج بشكل عام، فهي تمتلك محافظ مليارية في صناديقها السيادية.

 بسبب طبيعة الدولة الاقتصادية وكونها دولة مستوردة لأغلب السلع والمنتجات، يقوم بنك الكويت المركزي بموازنة العملة المحلية بشكل حذر جداً لتحافظ على قيمتها مقابل سلّة العملات، ولتبقى أسعار السلع والمنتجات المستوردة ثابتة نسبياً. لكن، ماذا لو انخفضت إيرادات الدولة انخفاضاً حاداً يجعلها غير قادرة على سداد ديونها ــ دفعات السندات ــ؟ قد تضطر الدولة لطباعة النقود لسداد الديون، وهذا ما حدث تماماً مع البنك المركزي البريطاني ــ بنك انجلترا ــ عندما قام بطباعة النقود كجزء من برنامج التيسير الكمي الخاص به. بالطبع، طباعة النقود تعتبر حلاً كارثياً لأي مشكلة اقتصادية، فهي تُضاعف معدلات التضخم في فترات قصيرة جداً، ولا يجب اللجوء إليها إلا كوسيلة أخيرة للسداد، لأنها تقلّل من القيمة الشرائية للعملة، وكوننا دولة مستوردة، قد تقل أيضاً قيمة العملة أمام العملات الأخرى.

kuwait-government-debt-to-gdp

 لذلك، يجب أن تقوم الحكومة بخلق توازن بين كمية الاقتراض وكمية الإنفاق المتوقعة، وفق برنامج حكومي واضح المعالم يبيّن خطة الحكومة في إنفاق الأموال المقترضة، بشكل يحقق عوائد مستقبلية ــ أي إيرادات حكومية ــ تضمن قدرة الحكومة على السداد، فعندما تقوم الحكومة بالاقتراض لتمويل إلتزاماتها من الرواتب والأجور، لن يضمن هذا التصرّف عائداً مجدياً للحكومة لأن هذه الأموال لن تدخل بالكامل في الاقتصاد الداخلي للدولة، ولن تضمن الدفع بمعدلات الطلب الكلّي، مما يخلق معضلة حقيقية أمام الحكومة لخلق مصادر دخل أخرى عوضاً عن الضرائب ورفع بعض الدعوم. لهذا السبب أصبح من الواجب البحث في فرص استثمار حكومية مجدية، كقيام المملكة العربية السعودية بإنشاء محفظة مليارية تستثمر في مشاريع التكنولوجيا بشكل أساسي، فتلك المشاريع تتضخم إلى قيم سوقية مليارية في حال نجاحها، فتقليل المصروفات يعتبر حلاً مثالياً على المدى القصير، ولكنه لن يحل الجزء الأكبر من المشكلة، وهو اختلال التوازن بين المصروفات والإيرادات الحكومية.

نُشرت بواسطة عبدالرحمن الفرهود

عضو هيئة التدريس في كلية الدراسات التجارية، وطالب دكتوراه حالياً في جامعة مانشستر، بعيداً عن الدراسه والعمل، أتداول في سوق الأسهم الأمريكي وسوق العملات الرقمية.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.