التصنيفاتالأسواق الماليةالاقتصاد

أبرز الأحداث الاقتصادية في 2016

بسبب التداخل الاقتصادي بين العديد من الدول، تشكّل الأخبار والأزمات الاقتصادية في دول معينة موجات عابرة للقارات تصيب العديد من الدول والأسواق المالية ليتأثر الاقتصاد العالمي سواء سلباً أو إيجاباً، وكان لهذا العام نصيباً لا بأس فيه من المفاجآت المدوّية التي هزت المشهد الاقتصادي العالمي.

 لعل البداية كانت في الصين ــ في يناير الماضي ــ عندما هبط السوق الصيني بأكثر من 17% بسبب موجة البيع التي اجتاحت السوق الصيني آنذاك واستمرت لأكثر من 10 أيام، والذي كان كفيلاً بإسقاط اليوان الصيني إلى مستويات قياسية لم يصلها منذ سنة 2011، مما أدى إلى  فقدان الاستثمارات الصينية الخارجية لجزءاً كبيراً من قيمتها، على الرغم من زيادة جاذبية الصادرات الصينية التي أصبحت أرخص بكثير مما كانت عليه. تزامناً مع هبوط السوق الصيني آنذاك، انتشرت عدوى البيع ــ بشكل مؤقت ــ للأسواق العالمية أيضاً، حيث كان اللون الأحمر يغلب على معظم مؤشرات الأسواق العالمية.

(المصدر: Zero Hedge)

 وفي يونيو، سيطرت حمّى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ــ بريكزت ــ على الساحة الاقتصادية، بعد عضوية دامت 23 عام في الاتحاد الأوروبي. بالطبع، إنعكس ذلك سلباً على الرغم من أن التوقعات والاستبيانات آنذاك كانت تشير إلى بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سوف يدفع برؤوس الأموال بشكل هائل خارج بريطانيا، بعيداً عن المنطقة الأوروبية بشكل عام ــ خوفاً من هبوط اليورو كتأثير تسلسلي بعد هبوط الجنيه الاسترليني ــ نحو الولايات المتحدة، مما سيرفع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه الاسترليني بشكل مُلاحظ. إلى هذا اليوم، لم تحسم المملكة المتحدة بشكل واضح آلية خروجها من الاتحاد الأوروبي، على الرغم من التصويت بالموافقة على الخروج من الاتحاد قبل أشهر قليلة.

 فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية كان أيضاً ضمن الأحداث الاقتصادية التي هزّت العالم قبل أشهر قليلة، حيث انعكس ذلك سلباً على الأسواق، قبل أن يتحول إلى تأثير إيجابي عندما أدرك المتداولون أنهم بالغوا بردة الفعل تجاه فوز ترامب. على كل حال، لم أجد حتى الآن أي محلل اقتصادي متفائل من الانعاكاسات الاقتصادية لفوز ترامب، بسبب تصريحاته الكارثية وشخصيته المتهورة، فهو ينوي “معاقبة” الصين على تعمّدها الدائم لخفض عملتها مقابل العملات الأخرى ــ  وبالأخص الدولار الأمريكي ــ، كما ينوي أيضاً فرض ضرائب على الشركات التي تقوم بتصدير وظائفها إلى الخارج لتقليل التكاليف، وهو ضرب واضح لمبدأ التنافسية والحرية الاقتصادية. لا أعلم إذا كان التصريح دعاية انتخابية بحتة، ولكنّه أيضاً صرّح بإنشاء صندوق حكومي لتقليل معدلات البطالة، بميزانية تصل إلى التريليون دولار، حيث يمتد عمل ذلك الصندوق إلى 10 سنوات. لا أرى ــ شخصياً ــ الجدوى الاقتصادية من هذا البرنامج، وذلك بسبب انعكاساته الكارثية على معدلات التضخم في حال تطبيقه بالصورة التي وصفها ترامب.

 في الشهر الماضي أيضاً، اتفقت دول الأوبك أخيراً على تقليل الانتاج، وهو الأمر الذي يحدث للمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية في سنة 2008، مما انعكس أيضاً على الدول غير الأعضاء ــ مثل روسيا ــ، لتقوم أيضاً بتقليل انتاجها اليومي، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط الخام بأكثر من 5% بعد الاتفاق مباشرة. ولكن، على الرغم من الآثار الإيجابية للاتفاق على الدول المصدرة للنفط، لم يكن الارتفاع كافياً لإنقاذ دول الخليج من العجز في الميزانية، مما أدى الى تفعيل سياسات التقشف وتقليل الإنفاق الحكومي ــ الجاري وليس الرأسمالي ــ في أغلب دول الخليج. على الجانب الآخر أيضاً، الانخفاض الحاد في أسعار النفط أدى إلى الانهيار الاقتصادي الكامل لبعض الدول مثل البرازيل وفنزويلا، على الرغم من اعتقادي أن السبب الأكبر لانهيار فنزويلا هو الفساد الحكومي بشكل رئيسي.

وقبل عدة أيام، أخذ خبر رفع العقوبات عن إيران حيّزاً كبيراً في الأوساط الاقتصادية، وذلك لأن رفع العقوبات يعني الحرية الكاملة لتدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج، ودخول إيران في زخم المنافسة النفطية، حيث تستطيع الآن تصدير ما قيمته 10 مليار دولار سنوياً من النفط، كما تستطيع أيضاً تصدير جميع المنتجات الزراعية إلى شتى بقاع العالم، مما سينعكس مباشرة على أسواق السلع عالمياً.

 لا أحد يعلم خبايا المستقبل، ولكن أنصح بتحميل تطبيق “العالم في 2017” لمجلة ذا ايكونومست، فهي من المجلات القليلة جداً التي اعتادت على محاولة التنبؤ بالأحداث الاقتصادية المستقبلية، حتى أصبحت عادة سنوية للمجلة، على الرغم من الطابع الهزلي الذي يطغى على بعض التوقعات. أعتقد أن دول الخليج تواجه مرحلة اقتصادية مصيرية، فأسعار النفط في تذبذب مستمر، ولن تتعدى حاجز الـ60 دولار في أفضل الأحوال. لذلك، تطبيق سياسات التقشف سيمتص جزءاً من الصدمات، ولكنه لا يمثل حلاً طويل الأجل ــ لأنه يفتقر إلى الاستدامة ــ، فالحل الحقيقي إذاً يكمن في استحداث مصادر جديدة للدخل والتحكم في مصادر الهدر في الميزانية، بالإضافة إلى الاستثمار في الموارد البشرية والتقنيات الحديثة التي توفّر التكاليف الحكومية وتحوّل دول الخليج إلى عواصم لبعض التقنيات الحديثة، وذلك لسبب بسيط ذكرته في عدة مقالات سابقة، الاستثمار في التقنيات لا يعتمد على أية موارد طبيعية قد نفتقر إليها، إنما يعتمد فقط على العاملين المادي والبشري، وهما ما تمتكله دول الخليج بكميات وفيرة.

نُشرت بواسطة عبدالرحمن الفرهود

عضو هيئة التدريس في كلية الدراسات التجارية، وطالب دكتوراه حالياً في جامعة مانشستر، بعيداً عن الدراسه والعمل، أتداول في سوق الأسهم الأمريكي وسوق العملات الرقمية.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.