التصنيفاتالأسواق المالية

التخلي عن الساعة الزمنية

طبيعة العقل البشري تحتّم على الانسان تحليل الأسواق المالية بناءاً على مفهوم بسيط جداً، وهو تحركات الأسعار وفق الزمن، أي الساعة الزمنية، وهو ما تتفق عليه مدارس التحليل المالي التقليدية ــ التحليل الفني والتحليل الأساسي ــ، فمن الطبيعي جداً أن نعتبر الساعة الزمنية حجر الأساس الذي تعتمد عليه أغلب سياسات واستراتيجيات التداول التقليدية، على سبيل المثال، يترقب العديد من المتداولين الإعلان عن المؤشرات الاقتصادية الرئيسية ــ كمعدلات البطالة وعدد مبيعات البيوت الجديدة ــ، حيث يتم الإعلان عن تلك المؤشرات بأوقات محددة سنوياً يعرفها الجميع، كالثانية بعد الظهر أو الرابعة عصراً. حتى نأخذ الموضوع بصورة أكبر، تأسست الأسواق المالية بناءاً على مفهوم الوقت، بحيث تفتح أبوابها في ساعة معينة، وتغلق بعد مرور ساعات معينة ــ على الرغم من كونها مهجورة حالياً بسبب التداول الالكتروني ــ، إذاً مفهوم الساعة الزمنية أصبح متأصلاً بطبيعة المتداول والمشرع على حد سواء، منذ نشأة الأسواق المالية.

 لكن، ماذا لو لم تعد الساعة الزمنية مؤشراً فعالاً يعكس نشاط الأسواق بصورة مباشرة؟ ما الذي يفسّر القفزات المفاجئة في التداول خلال فترات معينة لا تتجاوز الثواني، ليعود بعدها التداول إلى مستوياته الطبيعية؟ ما الذي يفسر الاختفاء الفوري للسيولة على الرغم من غياب جميع الأسباب المنطقية لذلك؟ يفشل مفهوم الساعة الزمنية في الإجابة عن التساؤلات السابقة، لأنه بكل بساطة يخدع العقل البشري للنظر إلى بيانات الأسواق من منظور واحد فقط، وهو الوقت، أي ما يحدث في الأسواق خلال فترة معينة يحددها الباحث أو المتداول، بغض النظر عن طبيعة هذه الفترة، سواء كانت بالسنوات أو حتى بالنانو ثانية. لعل أحد أكبر أسباب فشل هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية في التحقيق في الكوارث السوقية ــ كالفلاش كراش الذي كتبت عنه العام الماضي ــ هو نظرتها للأسواق من منظور الوقت فقط. إذاً، بسبب التطور الملاحظ للأسواق المالية في السنوات الأخيرة، أعتقد أن الوقت أصبح ملائماً للتخلي عن المفهوم التقليدي للساعة الزمنية والتحرك إلى مفهوم آخر تماماً، وهو حجم التداول. عند اتباع هذا المبدأ، لن نكترث بمرور الوقت، إنما ننظر إلى تحركات وأنماط أحجام التداول، بغض النظر عن الساعة الزمنية. على سبيل المثال، في أسواق العقود الآجلة، قد نرى ما يحدث عند بيع أو شراء كل مئة أو ألف عقد، بغض النظر الوقت المستغرق لبيع أو شراء تلك العقود، مما يتيح لنا التعمق في أنماط لم نكن لنصل إليها عند اتباع المفهوم التقليدي للساعة الزمنية، كما هو موضح في الصورة الثانية أدناه. يرجع السبب إلى التداول عالي التردد، الذي ضرب بالساعة الزمنية عرض الحائط عندما قلل سرعات التداول إلى سرعات فلكية لا يمكن للعقل البشري أن يتصورها، كما ذكرت في مقال سابق عن سرعة التداول، ما لم أذكره بشكل مباشر في ذلك المقال هو الأثر الذي خلّفته سرعة التداول في الأسواق المالية، من ناحية أكاديمية على الأقل.

time volume

  يجدر الذكر أن ماورين أوهارا ــ وهي أحد أشهر الأكاديميين المختصين في التركيبة الجزئية للأسواق والتداول عالي التردد ــ تعتبر أحد مؤسسي مفهوم حجم التداول عند النظر إلى البيانات عالية التردد. حتى لا أعطي صورة مبالغة عن الموضوع، قد لا يكترث المتداول طويل الأجل ــ أو الباحث الأكاديمي المختص في دراسة الآثار طويلة الأجل ــ بسرعات التداول، لأن الموضوع يصب بشكل رئيسي في التركيبة الجزئية للأسواق والبيانات عالية التردد. بالتالي، عندما نتحدث عن المضارب اليومي الذي يتداول بشكل شره، نحن في الغالب نتحدث عن آلة فائقة الذكاء، تم تغذيتها بكميات بيانات هائلة، تأخذ قرارتها في سرعات مجنونة، لذلك هناك مبرر واضح جداً للتخلي عن الساعة الزمنية، لأن الخوارزميات وأجهزة الحاسب لا تكترث بالساعة الزمنية، إنما تهتم بأنماط التداول والعلاقات بين المتغيرات، والذي بدوره ينعكس على طبيعة التداول اللحظي في الأسواق، فتجد أوقات ينشط بها التداول بصورة غير منطقية ــ لا تعكس أي شيء بالنسبة للذي ينظر لها زمنياً ــ والعكس صحيح. إذاً، المحرك الأساسي للأسواق ــ من وجهة نظر روبوتات التداول ــ هو حجم التداول، فعندما تشعر تلك الروبوتات بأي تحركات طفيفة في أحجام التداول، تقوم بترتيب الأوامر في ظرف أجزاء من الثانية. لذلك عند النظر إلى الأسواق على المدى الطويل، نجد أن تلك الروبوتات هي المؤسس الرئيسي للأنماط طويلة الأجل، وهو ما يفسّر غياب العديد من الظواهر الغريبة في الأسواق المالية، والتي كانت سائدة قبل هيمنة روبوتات التداول عالي التردد كتأثير شهري يناير ومايو على سبيل المثال، فلم تعد استراتيجات التوقيت مربحة نهائياً، وهو ما تم إثباته أكاديمياً وعملياً مراراً وتكراراً.

  لعل وقع المشكلة أخف على أتباع التحليل التقني، فهناك فرع من أفرع التحليل الفني يستغل بشكل أساسي الرسوم البيانية القائمة على أحجام التداول عوضاً عن الرسوم البيانية المبنية على مؤشرات السوق، ولكن المذهل فعلاً أن المتداول التقليدي بدأ يتكيف بشكل ملاحظ مع روبوتات التداول، حيث تغيرت الكثير من المغالطات الفكرية في الأسواق، كما اختفت بعضها تماماً، لأنه لم يعد هناك طرفين بشريين عند البيع والشراء ــ إلا نادراً ــ، فهناك غالباً روبوت ينتظرك على الجانب الآخر، مما يغير طريقة التداول البشري، أو هناك روبوت يتداول مع روبوت آخر، مما يتيح المجال إلى نوع آخر من المغالطات الفكرية، وهي المغالطات البرمجية، إن صح التعبير.

نُشرت بواسطة عبدالرحمن الفرهود

عضو هيئة التدريس في كلية الدراسات التجارية، وطالب دكتوراه حالياً في جامعة مانشستر، بعيداً عن الدراسه والعمل، أتداول في سوق الأسهم الأمريكي وسوق العملات الرقمية.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.