التصنيفاتالأسواق الماليةالاقتصاد

السندات الخضراء

غالباً يتم استبعاد التمويل كحل جذري لبعض المشاكل الأزلية، كالمشاكل المتعلقة في الأمراض وشُح مصادر الطاقة على سبيل المثال، لأن الحلول التي تُطرح عادة ما تكن حلولاً علمية أو فنية من قبل ذوي الاختصاص، ولكن ما الخطوة التي دائماً تسبق أية بحوث علمية؟ سُبل ووسائل التمويل، خاصة بالنسبة للمشاكل الحديثة، فهي محفوفة بالمخاطر مقابل عوائد قد لا تكون مجزية، مما يفسّر غياب قنوات التمويل في قطاعات معيّنة دون أخرى. قد يجرّني الحديث إلى محاضرة البروفيسور لو ــ والتي كتبت عنها أكثر من مرة ــ، لأن الموضوع أصبح يدور مرة أخرى حول غياب الحافز المالي.

 إذاً، هل يمكن للتمويل أن يساهم في حل مشكلة التغير البيئي ــ أو الاحتباس الحراري كما كان يطلق عليها قبل عدة سنوات ــ؟ نعم. لأن المسبب الرئيسي للمشكلة ــ من وجهة نظري ــ ذو طبيعة اقتصادية، فالمصانع التي تملكها أكبر شركات العالم لا تأبه بكمية الانبعاثات الضارة التي تنفثها في الهواء، وكذلك هو الحال بالنسبة لشركات النفط والغاز، فهي تترك خلفها مخلفّات سرطانية قاتلة للبيئة بجميع أشكالها، ولعل السبب في الحالتين يرجع إلى غياب الرادع الاقتصادي الكافي للحد من هذه المخالفات، فهناك ضرائب، وهناك عقوبات أو مخالفات، لكنها ليست كافية لإعدام الحافز الاقتصادي للشركات لأن تستمر في تلك المخالفات، فبكل بساطة، مازالت إيرادات تلك الشركات إيجابية، حتى بعد الضرائب والمخالفات. لعل أشهر أنواع الضرائب التي تُفرض لحل المشاكل البيئية هي ضرائب الكربون، وهي ضرائب تُفرض على كمية الكربون الذي يحتوي عليه الوقود، وقد تم تعميمها في بعض الدول لتشمل أيضاً انبعاثات الوقود الأحفوري. تُفرض ضرائب الكربون الآن في عدد كبير من الدول ــ على الرغم من اختلاف هياكلها من دولة إلى أخرى ــ، ولكنها سرعان ما أثبتت فشلها للحد من الانبعاثات، لأنها لم تخلق أية رادع اقتصادي، فبكل بساطة تقوم الشركات والمصانع بتحميل المستهلك النهائي قيمة الضريبة، عن طريق رفع الأسعار.

green1

 ولكن، ماذا لو كان الحل جذرياً أكثر؟ بمعنى آخر، ماذا لو تم التحكم بمصادر التمويل لتلك الشركات والمصانع؟ بالطبع سيكون للموضوع وقع أكبر، فمصادر التمويل هي المغذّي الأساسي للشركات، وهذا ما يفسّر ظهور السندات الخضراء مؤخراً، وهي سندات وُجدت لتموّل أية مشاريع وشركات صديقة للبيئة، ولها عدة أشكال، فمنها من يرهن أصول الشركة أو المشروع لإعطاء صورة أفضل حول جدّية الشركة في الاهتمام بالجانب البيئي للمشروع. بدأت السندات الخضراء الظهور بشكل واضح قبل ثلاثة سنوات بالتحديد، عندما بلغت قيمة إصدار تلك السندات أكثر من ١٠ مليارات دولار في الولايات المتحدة، قبل أن تنفجر إلى أكثر من ٤٠ مليار في السنة السابقة، ومن المتوقع أن تنمو أكثر في نهاية السنة الحالية والسنة القادمة، مما يبيّن الحيز الكبير الذي يشغله موضوع التغير البيئي في الأوساط المالية حالياً. بالإضافة إلى ذلك، لإعطاء جاذبية اقتصادية أكثر للسندات الخضراء، تقوم بعض الدول بإعفاء تلك السندات من جميع أنواع الضرائب، فتحصل الشركات على القيم التمويلية بالكامل. حالياً، لم تجد الشركات والبنوك مدخلاً لعالم السندات الخضراء، وقد يرجع السبب في ذلك إلى أمور سياسية فالبعض لا يعترف بمشاكل التغير البيئي على الإطلاق ويعتبرها جزء من مؤامرة عالمية للإطاحة بأكبر شركات العالم. حالياً يملك البنك الدولي نصيب الأسد من إصدارات السندات الخضراء عالمياً، فقد أصدر أكثر من ٣ مليار دولار ما بين الولايات المتحدة والهند، لتمويل مشاريع صديقة للبيئة في تلك الدول. من يتابع الأخبار الاقتصادية حالياً يعلم الأهمية الكبرى للسندات الخضراء حالياً، فهي حديث الساعة في الصين ولندن، بالإضافة إلى العديد من الدول.

green2

 للمهتمين بتأثير التغير البيئي على دول الخليج والمنطقة المحيطة، أصدرت مجموعة البنك الدولي قبل أيام قليلة تقريراً موجه لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حول التحديات البيئية المحيطة بالمنطقة.

“أعلنت مجموعة البنك الدولي اليوم عن خطة جديدة لزيادة المساندة لبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بغرض مواجهة المخاطر العديدة لتغير المناخ. وعلى مدار السنوات الأربع القادمة، تهدف خطة الأنشطة المناخية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى مضاعفة حجم التمويل الذي يقدمه البنك الدولي خصيصا للأنشطة المناخية إلى 1.5 مليار دولار تقريبا بحلول عام 2020. وفي مؤتمر صحفي عقد خلال المؤتمر الثاني والعشرين للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة المناخية في مراكش، قال حافظ غانم، نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن الخطة ستركز على أربع أولويات وهي الأمن الغذائي والمائي، والمدن المستدامة المتوافقة مع الظروف المناخية الجديدة، والتحول إلى الطاقة منخفضة الكربون، وحماية الفئات الأشد فقراً والأكثر تعرضاً لتبعات تغير المناخ.”

التأثيرات الذي ذكرها البنك الدولي في التقرير جسيمة جداً ــ وبالذات تلك المتعلقة بالناتج الإجمالي المحلي ــ، على الرغم من كونها توقعات مستقبلية قد لا تحدث إلا إذا تم إهمال مفهوم التغير البيئي من قبل حكومات دول المنطقة. في نهاية المطاف، لا أملك الخبرة العلمية الكافية لنقض مفهوم التغير البيئي أو الحكم عليه من ناحية كونه ضرباً من ضروب نظرية المؤامرة، ولكنني لم أقتنع ــ حتى الآن ــ في الحجج المضادة لمفهوم التغير البيئي، فأكثر من ٨٠٪‏ من علماء العالم ــ من ذوي الاختصاص ــ يتفقون على دور الانسان المباشر في التغير البيئي، فلم يكن النقاش عن صحة ادعاء التغير البيئي ــ لأنه بالنسبة لهم أمر مسلّم به ومفروغ منه ــ، ولكن كان عن اتهام الانسان بأنه المسبب الرئيسي لهذه الظاهرة، فلم تكن العوامل الطبيعية المسبب الرئيسي للتغير البيئي.

 

نُشرت بواسطة عبدالرحمن الفرهود

عضو هيئة التدريس في كلية الدراسات التجارية، وطالب دكتوراه حالياً في جامعة مانشستر، بعيداً عن الدراسه والعمل، أتداول في سوق الأسهم الأمريكي وسوق العملات الرقمية.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.