التصنيفاتالاقتصاد

بريطانيا والخروج من الاتحاد الأوروبي

تردد كثيراً في الأخبار العالمية مؤخراً خبر احتمالية خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي تحت ما يسمى بالـ”بريكزت”، حيث انقسمت القوى السياسية في بريطانيا ما بين مؤيد ومعارض للانفصال. بطبيعة الحال، لن أتطرق إلى الموضوع من ناحية سياسية لأنه لا يعنيني بقدر ما تهمني الأبعاد الاقتصادية للموضوع.

قبل أن ندخل في البعد الاقتصادي للقضية، يجب أن نأخذ بالحسبان أمرين مهمين. أولاً، لا تشترك الممكلة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي بالعملة، فلكل منهما عملته الخاصة. ثانياً، بعكس الاتحاد الأوروبي الذي تحكمه اتفاقية “الشنغن” والتي ترفع بدورها الحدود بين الدول الأعضاء، لازالت بريطانيا مستقلة “حدودياً” عن باقي الدول الأوروبية. إذاً، ربما يتساءل القارئ، أين المشكلة وما هي القضية؟ سيتم الإجابة عن هذه التساؤلات في الفقرات القادمة.

على الرغم من استقلالية بريطانيا في العملة وفي الحدود، لاتزال المملكة عضواً في “المنطقة الأوروبية الاقتصادية” والتي تم تأسيسها في يناير 1994 وبالتالي تربطها العديد من الاتفاقيات التجارية التي تسهل التبادل التجاري بين الدول الأعضاء، بالإضافة إلى مميزات أخرى كرسوم التعليم المنخفضة لرعايا الدول الأعضاء مثلاً، فهل يؤدي خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي إلى خروجها من المنطقة الأوروبية الاقتصادية؟ أم سيتوجب على المملكة اتخاذ نموذج مشابه للنموذج السويسري مع الاتحاد الأوروبي؟ لا أحد يعرف الإجابة المؤكدة حالياً.

بالتأكيد، كان للخبر وقعاً اقتصادياً مدوياً في الأوساط المالية، حيث حذر جولدمان ساكس من احتمالية هبوط الجنيه الاسترليني بأكثر من 20% إذا ما قررت المملكة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، بسبب انقطاع التدفقات الرأسمالية التي تتمتع بها المملكة حالياً. بالفعل، فقد بدأ الجنيه الاسترليني بالهبوط تدريجياً منذ طرح احتمالية الانفصال، خصوصاً في الستة أشهر الماضية، كما هو موضح في الرسم البياني التالي:

160204134529-pound-dollar-780x439

بالإضافة إلى ذلك، حذر العديد من المحللين احتمالية هبوط الناتج الإجمالي المحلي للمملكة بنسبة تتراوح ما بين 0.6% إلى 2.8% وبالتالي التعمق أكثر في وحل الكساد الذي تعاني المملكة حالياً. كما هو متوقع، تقع المملكة حالياً تحت ضغط شديد من قبل البنوك والمؤسسات المالية التي لا تنفك عن إستعمال سياسات “لوي الذراع” في فرض قوتها وهيمنتها الاقتصادية، على سبيل المثال، حذر كل من دويشته بانك، اتش اس بي سي، وجي بي مورغان بإغلاق مقراتهم والتوجه إلى دول أخرى، مما سيخلق أزمة اقتصادية متعددة الأبعاد، لربما أهمها خسارة عدد رهيب من الوظائف حيث صرّح سيتي بانك بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي سيكلف المملكة أكثر من 75 ألف وظيفة بحلول سنة 2030.

بالإضافة إلى ذلك كله، يشكل القطاع المالي بجميع شرائحه نسبة لا تقل عن 8% من الناتج الاجمالي المحلي للمملكة المتحدة، حيث يقوم بتوظيف 3.4% من القوى العاملة في بريطانيا، أضف إلى ذلك كون لندن أحد أكبر المراكز المالية عالمياً والوجهة الأولى في العالم لمتداولي الفوركس أو العملات الأجنبية، إذاً يجب على المملكة التفكير مرة ومرتين في الانفصال عن الاتحاد، على الأقل من الناحية الاقتصادية، لاسيما إذا أرادت أن تحافظ على استقرار عملتها وبقاء مكانتها كمركز مالي عالمي يستقطب رؤوس أموال مليارية.

نُشرت بواسطة عبدالرحمن الفرهود

عضو هيئة التدريس في كلية الدراسات التجارية، وطالب دكتوراه حالياً في جامعة مانشستر، بعيداً عن الدراسه والعمل، أتداول في سوق الأسهم الأمريكي وسوق العملات الرقمية.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.