التصنيفاتالأسواق المالية

وداعاً للتداول التقليدي

في العقود الماضية، أحدث التداول الالكتروني طفرة كبيرة في الأسواق، أدت إلى إخلاء معظم الأسواق التقليدية، لتصبح شبه مهجورة، لا تضم إلا صنّاع السوق. ولكن، في السنوات القليلة الماضية، ظهرت طفرة أخرى أحدثت تغيير جذري في الأسواق، ألا وهي طفرة التداول الكمي، والذي يشمل التداول عالي التردد الذي سبق التطرق إليه في مقالات سابقة. يمكن اعتبار التداول الكمي المظلة الأعلى التي تندرج تحتها استراتيجيات التداول العالي التردد واستراتيجيات التداول المبنية على خوارزميات الكمبيوتر (البرمجة). يبقى السؤال، ما هو التداول الكمي؟ وكيف غير ملامح الأسواق العالمية؟ سيتم وضع رؤوس الأقلام في هذا المقال، على أمل التوسّع في الموضوع بشكل أكبر في المقالات القادمة.

بعكس استراتيجيات التداول التقني وتلك التي تعتمد على البيانات المالية للشركة، يعتمد التداول الكمي بشكل أساسي على معادلات حسابية ونماذج إحصائية تستهدف أسعار وكميات الأصول. قد تبدو العملية أبسط من المتوقع، ولكنها في الواقع أصعب استراتيجيات التداول الموجودة لأنها تعتمد على مصادر معينة مثل البراعة في لغات البرمجة كالسي بلس بلس والبايثون، بالإضافة إلى أنها تتطلب حواسب فائقة السرعة. الجدير بالذكر أن التداول الكمي لا يعني بالضرورة تداول عالي التردد، ولكن العكس صحيح، أي أن كل متداول عالي التردد هو متداول كمّي يستغل لغات البرمجة، إلا أن التداول عالي التردد يتطلب خبرة برمجية أكبر بكثير من التداول الكمي بشكل عام.

rtq_features

بشكل عام، تستهدف استراتيجات التداول الكمّي أربعة محاور:

أ) تحديد الاستراتيجية: يجب تحديد استراتيجية واضحة المعالم لا يتم الانحراف عنها في أي وقت لأن تطبيق أكثر من استراتيجية يعتبر هدر للوقت والمال. على سبيل المثال، قد ينتهج أحد المتداولون استراتيجية تستغل عدم الاتزان اللحظي للأسعار والكميات، وبالتالي لا يقوم هذا المتداول بالنظر إلى أمور أخرى مثل الاستفادة من مكافآت السيولة.

ب) تجربة الاستراتيجية واختبارها برمجياً: قد تكون الاستراتيجية ناجحة نظرياً وعلمياً، ولكنها قد تفشل من الناحية البرمجية، نظراً لصعوبة تطبيقها، أو لوجود أخطاء في لغة البرمجة.

ج) أنظمة التنفيذ: بوجهة نظري، يعتبر هذا المحور الأهم في أي استراتيجية لأنه هو من يحدد مدى فعالية الاستراتجية وتحقيقها للأرباح. يجب على المتداول الحرص على خلق نظام تنفيذ للأوامر يقلل التكاليف بأكبر قدر ممكن، وربما أحد أكبر هذه التكاليف هي العمولات التي يتم دفعها، بالإضافة إلى عامل الوقت، حيث يجب تنفيذ الأوامر بشكل لحظي ودون أي تأخير لضمان عدم تغيّر الأسعار والكميات.

د) إدارة المخاطر: يجب رسم حدود واضحة للتداول لا تتعدى المخاطر التي يتم وضعها، أحد هذه الحدود على سبيل المثال لا الحصر، الكميات التي يتم بيعها وشراؤها في كل عملية، فترة الاحتفاظ في الأصل، نوعية الأصول التي يتم الاستثمار بها، وغيرها من النقاط التي تضمن عدم الدخول في مخاطر يمكن تفاديها.

يحتل التداول الكمي حالياً نسبة لا يستهان بها من إجمالي التداول اليومي في الكثير من الأسواق العالمية (على رأسها الأسواق الأمريكية)، مما غير الأسواق جذرياً من ناحية طبيعة المسثمرين، حيث تستقطب الأسواق يومياً أذكى المبرمجين وخريجين علوم الكمبيوتر بدلاً أصحاب شهادات التمويل وإدارة الأعمال كما هو الحال سابقاً. على الرغم من الشعبية المتزايدة التي يتمتع بها هذا النوع من التداول، لن يختفي المتداولون البسطاء أبداً لأنهم حجر الأساس لكل سوق مالي، وبدون هؤلاء المتداولون لا تمتلك الاستراتيجيات الأخرى أية قيمة لأنها مبنية بالأساس على وجود المتداول البسيط الذي يمتلك أقل المصادر والمعلومات.

نُشرت بواسطة عبدالرحمن الفرهود

عضو هيئة التدريس في كلية الدراسات التجارية، وطالب دكتوراه حالياً في جامعة مانشستر، بعيداً عن الدراسه والعمل، أتداول في سوق الأسهم الأمريكي وسوق العملات الرقمية.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.