الاقتراض الحكومي، ورفع سقف الدين #2

يرتبط مفهوم الاقتراض الحكومي في الدول ذات الهيكل الضريبي المتقدم ارتباطاً وثيقاً في معدل الضرائب، فغالباً ما تتخوف الأوساط الاقتصادية من آثار الاقتراض على مستقبل الضرائب في الدولة، فعند ازدياد نسبة الدين الحكومي إلى الناتج الإجمالي المحلي بشكل مضطرد، قد تضطر الحكومات أن تفعل أدوات سياساتها المالية بشكل انكماشي في ميزانياتها المستقبلية، أي أنها سترفع من معدل الضرائب أو ستخفض من الإنفاق الحكومي ــ أو كلاهما في وقت واحد ــ، وهي معضلة اقتصادية صعبة جداً، فرفع معدل الضرائب لا يعتبر قراراً شعبوياً من الدرجة الأولى وغالباً ما يُقابل بالرفض من قبل البرلمانات وجهات الضغط في الدولة، وكذلك هو الحال بالنسبة لتخفيض الإنفاق الحكومي، فهو يهدد بشكل مباشر بغرق الدولة في وحل الكساد، خصوصاً في الدول التي تهيمن بها الحكومات على الأضلاع الرئيسية للاقتصاد، كدولة الكويت مثلاً. على الرغم من ذلك، أستبعد تماماً هذا التأثير على الاقتصاد الداخلي للكويت، وذلك لسببين. أولاً، حتى وإن تمت الموافقة على رفع سقف الدين، تبقى دولة الكويت من الدول الأقل عالمياً في نسبة الدين الحكومي إلى الناتج الإجمالي المحلي. ثانياً، حداثة تجربتنا الضريبية ــ على المستوى الشخصي ــ لا تعطي دلالة اقتصادية واضحة لهذا التأثير، لاسيما في ظل تأجيل فرض ضريبة القيمة المضافة

تشكّل أيضاً “هجرة رؤوس الأموال” تهديداً حقيقياً للحكومات التي تقترض باستخدام عملتها المحلية، وهي أحد الكوارث المتعلقة بارتباط الدول بعملة مشتركة، كما حدث في أزمة اليونان مثلاً، فعند غياب الثقة في قدرة الحكومات على السداد، تتدفق في الغالب رؤوس الأموال إلى الخارج، تجنباً لانخفاض قيمة العملة في المستقبل، وهو ما يساهم في الدفع بالمزيد من الانخفاض في العملة ــ على المدى القصير ــ بسبب زيادة معدلات العرض في أسواق العملات. بالطبع، يختلف الوضع تماماً بالنسبة لدولة الكويت ــ على الأقل بالنسبة للإصدار السابق للسندات ــ، وذلك لتسعير السندات الحكومية التي تم إصدارها في مارس الماضي بالدولار الأمريكي، وهو ما ينأى بالدينار الكويتي بعيداً عن التقلبات، ناهيك عن ارتباط الدينار الكويتي بسلة عملات تحافظ على استقرار قيمته أمام معظم العملات الأساسية. فلذلك، لا أرى أيضاً لهذا الجزء أية تأثير حقيقي على الاقتصاد الداخلي للدولة. لهذا السبب أيضاً، سأستبعد تماماً سيناريو التضخم الاقتصادي الناتج عن الاقتراض الحكومي، وهو ما يحدث عندما تقوم الحكومات في بعض الأحيان ببرامج تيسير كمي تدفع بعجلة الاقتصاد بشكل “زائف”، على حد تعبير العديد من الاقتصاديين اليوم عند الحديث عن قيم أسعار الأصول بشكل عام عالمياً، وذلك بسبب المبالغة في السياسات النقدية التوسعية وبرامج التيسير الكمي من قبل الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي

 

 

لذلك، ومن وجهة نظري الشخصية، أرى أن التحدي الاقتصادي الحقيقي أمام الحكومة اليوم يتلخص في أمرين. أولاً، مع البدء في برامج الاقتراض الحكومي، أصبح لزاماً علينا الآن أن نستحدث مصادراً أكثر استدامة للدخل، إلى جانب النفط، وذلك لضمان سهولة سداد الدفعات في المستقبل. الجدير بالذكر أن أغلب التوقعات تشير إلى كسر أسعار النفط حاجز 70$ في هذه السنة، إلا أنه ليس مبرراً اقتصادياً كافياً. ثانياً، سيلعب سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الدينار الكويتي دوراً محورياً في المحافظة على تكلفة الاقتراض، فصعود الدينار أمام الدولار يعتبر أمراً إيجابياً، والعكس صحيح. بالطبع، تلعب مصالح الدول الأخرى ــ وبالذات الصين وروسيا ــ دوراً أساسياً في المحافظة على سعر صرف الدولار في نطاق معين. وبالتالي، أرى شخصياً أن هذه النقطة أقل أهمية من سابقتها

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.