التوجهات الحكومية لتبني العملات الرقمية

 دائماً يُقال بأن الحكومات تكره النقد، أي العملات بصورتها الورقية، وذلك لعدة أسباب، لعل أبرزها صعوبة تتبع العمليات القائمة على النقد بصورته الورقية، فبمجرد أن تدخل هذه الأموال في حسابات الأفراد في البنوك، تفقد الحكومة قدرتها على تتبع العمليات المشبوهة، ناهيك عن التهرب الضريبي وعمليات تزوير الأوراق النقدية. لذلك، التوجه الحكومي العالمي لخلق بيئات اقتصادية ذات اعتماد قليل على الأوارق النقدية أصبح مبرراً وبشكل كبير، مما يفسر نمو المشاريع الحكومية عالمياً لتبني اقتصاد رقمي قائم على بلوكتشين والعملات الرقمية.

 في يوليو الماضي، أعلن البنك المركزي الصيني عن تبنيه لمشروع إنتاج أول عملة رقمية حكومية في العالم، ليتم تداولها في الصين إلى جانب الرينيمبي الصيني. على الرغم من البطئ ــ والحذر الشديد ــ الذي يكتنف هذه العملية حالياً، إلا أنها تعتبر خطوة مهمة جداً وجريئة بذات الوقت، فالتحول الجذري في اقتصاد الصين والعالم أجمع أصبح يحتّم على البنوك المركزية حول العالم التوجه إلى الطابع الرقمي في تعاملاتها. لذلك، من المتوقع أن يخلق هذا التطور آثاراً حميدة على الاقتصاد الصيني لعل أهمها القضاء على الفساد المالي بشكل كبير وذلك بسبب تقنية بلوكتشين التي تقوم بعرض جميع التعاملات المالية على الملأ، مما يزيد الشفافية ويقضي على عمليات غسيل الأموال، ناهيك عن الحد من خطر تزوير العملات. بالإضافة إلى ذلك، قد يساهم هذا المشروع بتقليل تكلفة التعاملات المالية الزمنية والنقدية، لا سيما أن التعامل الرقمي أصبح يسيطر على الاقتصاد الصيني بشكل كبير.

 إلى جانب الصين، أعلنت روسيا أيضاً قبل عدة أيام تبنيها عملة رقمية حكومية ــ على الرغم من انتقاد بوتين اللاذع لبتكوين وباقي العملات الرقمية ــ، على أن تتحكم الحكومية الروسية بإصدار هذه العملة الرقمية، أي أنها لن تكن قابلة للتعدين أسوة بباقي العملات الرقمية الحالية. تحت هذا التوجه، يُسمح لحامل العملة الرقمية الروسية ــ كريبتو روبيل ــ أن يقوم بتحويلها إلى الروبيل الورقي (العملة التقليدية) في أي وقت من الأوقات، إلا أن الحكومة تنوي فرض ضريبة بمعدل 13% على عملية التحويل إذا لم يقم الشخص بالإفصاح عن مصدر العملة الرقمية التي حصل عليها، وذلك لمكافحة غسيل الأموال وتمويل العمليات المشبوهة.

 على الرغم من أهمية هذه التوجهات والتغييرات الجذرية التي ستحدثها على المشهد الاقتصادي، إلا أنها لا تخلو من الصعوبات، ولعل أحد أكبر هذه الصعوبات من وجهة نظري هو التغيير الهيكلي في السياسات النقدية للبنوك المركزية، فقد اعتاد المشرع في السابق على الأدوات التقليدية للبنوك المركزية والتي بدأت تفقد قوتها في تحقيق الإصلاح الاقتصادي، فلم تحقق سياسية الفائدة السالبة الأهداف المرجو منها في عدة دول، وكذلك هو الحال بالنسبة لبرامج التيسير الكمي وشراء الأصول، ففي الحالتين، يتم انتشال الاقتصاد من وحل الكساد مؤقتاً ــ في الغالب على حساب الميزانية الحكومية ــ، على أن تعود المشكلة مرة أخرى بعد سنوات بصورة أسوأ، فعلى سبيل المثال، تعاني الحكومة الأمريكية اليوم من أزمة التخلص من الأصول التريليونية التي قامت بشرائها تحت حزمة الإصلاح الاقتصادي بعد أزمة الرهن العقاري قبل عشرة سنوات تقريباً. لذلك، أرى بأن التوجه الحكومي نحو العملات الرقمية قد يساهم في خلق أدوات جديدة للسياسة النقدية الحكومية، وربما تتفرع هذه الأدوات من تخصصات خارجة عن الاقتصاد التقليدي، بحيث يساهم علماء الكمبيوتر وعباقرة البرمجة ــ عوضاً عن الاقتصاديين ــ بالحفاظ على استقرار الاقتصاد الرقمي.

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.