عقلانية المتداول، ونماذج التمويل التقليدية

 كان لنماذج تقييم الأصول وفرضية كفاءة الأسواق في سبعينيات القرن الماضي نصيب الأسد من الجانب البحثي والتطبيقي في التمويل والاقتصاد، ولعل الفرضية الأساسية التي كانت سائدة بشكل كبير آنذاك ــ وما زالت ــ هي عقلانية المتداولين، أي أنهم يبحثون دائماً عن تعظيم الفائدة الاقتصادية من خلال تداولاتهم، وهي فرضية تنبذ جميع أنواع المغالطات الفكرية والسلوكية، والتي تم التطرق إلى بعضها في مقالات سابقة في المدونة. على الرغم من الثورة الهائلة التي أحدثتها فرضية كفاءة الأسواق ونماذج تقييم الأصول ــ ولعل أشهرها نموذج تقييم الأصول الرأسمالية ــ، إلا أنها تفشل فشلاً ذريعاً عند الاعتماد عليها بشكل رئيسي دون النظر إلى الجانب السلوكي او النفسي للمتداول، ويظهر ذلك جلياً عند محاولة تفسير العوائد الموسمية أو المغالطات المتكررة للمتداولين، والتي على ضوئها يمكن للخوارزميات أن تجني أرباحاً على المدى القصير.

 لهذا السبب، فرضية كفاءة الأسواق، على الرغم من أهميتها البالغة ــ فهي أحد أعمدة التمويل ــ، إلا أنها تعرضت إلى نقد أكاديمي لاذع في ثمانينيات القرن الماضي، وتم توجيه أول تلك الانتقادات من جوزيف ستيقليتز (نوبل الاقتصاد، 2001) في ورقته المشهورة مع سانفورد جروسمان والمنشورة في سنة 1980 حول استحالة كفاءة الأسواق، وذلك لسبب بسيط يتعلق في الحافز على الحصول على المعلومات، أي أن المتداول ــ وخصوصاً المتداول المطّلع ــ لن يجد حافزاً في البحث عن المعلومات إن لم تكن تلك المعلومات سبباً في الحصول على الأرباح والعوائد. بالإضافة إلى ذلك، انتشرت في تلك الحقبة أوراقاً أكاديمية عديدة تثبت أيضاً استحالة كون الأسواق كفؤ من الدرجة الأولى ــ وهي الأقوى ــ، ويقصد “بالأولى” أو “الأقوى” تلك الأسواق التي لا يمكن تحقيق أية أرباح فيها عن طريق المعلومات العامة أو الخاصة وذلك لانعكاس تلك المعلومات بشكل فوري في أسعار الأصول، والجدير بالذكر أن تلك الأوراق الأكاديمية كانت تثبت استحالة كون الأسواق كفؤ بالكامل عن طريق توثيق معدلات تذبذب لا يمكن تفسيرها من قبل نماذج كفاءة الأسواق، كالورقة المنشورة في سنة 1972 من قبل بلاك وشولز (نوبل الاقتصاد، 1997)، وورقة روبرت شيلر (نوبل الاقتصاد، 2013) المنشورة في سنة 1988.

 لذلك، ولأن الجانب النفسي والسلوكي يطغى على عمليات التداول بشكل كبير، بدأت الأوساط الأكاديمية تلتفت تدريجياً نحو رؤية أشمل للأسواق المالية، تأخذ بالاعتبار سلوك المتداول والضغوطات النفسية التي قد يتعرض لها، والتي بدورها قد تؤدي إلى سيطرة الجانب العاطفي في بعض الأحيان، فتجد البعض ينجرف تحت سلوك انتقامي في التداول لتعويض الخسائر التي تكبدها في المدى القصير، والبعض الآخر يجني أرباحه بشكل سريع ويؤجل خسائره أملاً بتعويضها عند صعود الأسعار، وهو الذي يؤدي إلى انخفاض الأرباح وتضخم الخسائر، وهو ما يطلق عليه في التمويل السلوكي “تجنب الخسائر”  ــ إن صحت الترجمة ــ وهي مغالطة سلوكية تجعل المتداول يتألم بشكل كبير من الخسائر، بحيث يفوق هذا الألم شعور السعادة المرتبط بتحقيق الأرباح، حتى ولو كان معدل المخاطر متساوياً تماماً بين الربح والخسارة. تبلورت هذه الرؤية في بداية ثمانينيات القرن الماضي تحديداً لتصبح فرعاً واضح المعالم يطلق عليه التمويل السلوكي.

 ولعل أحد أشهر الاقتراحات لإضافة بُعد سلوكي لفرضية كفاءة الأسواق كانت من قبل دوين فارمر وآندرو لو، عندما قاما باقتراح فرضية “تكيّف” أو “تطوّر” الأسواق ــ ويُنسب مصطلح التطور في هذه الحالة لنظرية التطور البيولوجي ــ، وتشير إلى تكيف وتطور الأسواق مع الوقت حتى تتغير عوامل الكفاءة بتغير نوع المستثمر المهيمن على كميات التداول، من ناحية السلوك، المعلومات التي يمتلكها المتداول، الوسائل المتاحة للتداول ــ ويُقصد بها التطور التكنولوجي المتاح ــ، بحيث تتطور الأسواق التي تهيمن عليها روبوتات وخوازرميات التداول بشكل أسرع، بينما يكون معدل التطور في الأسواق الغير معتمدة على التكنولوجيا أبطأ نسبياً، وذلك لأنها معرّضة لمغالطات سلوكية تحول دون استمرار أسعار الأصول بمستويات قريبة من قيمها الحقيقية.

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.