لغة الغموض في خطابات البنوك المركزية

ساد العرف تاريخياً بأن تكون خطابات البنوك المركزية مليئة بالمصطلحات المبهمة التي قد لا تعطي انطباعاً واضحاً عن توجهات البنك المركزي المستقبلية حول أسعار الفائدة والسياسة النقدية بشكل عام وذلك لتفادي المبالغة في ردة فعل الأسواق المالية تجاه تلك الخطابات، ولعل ذلك يظهر جليّاً عند متابعة خطابات كبرى البنوك المركزية حول العالم مثل الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة. اعتادت الأوساط المالية على الغموض حتى انتشر مصطلح “لغة جرين” نسبة إلى آلان جرينسبان وهو أشهر محافظي الاحتياطي الفيدرالي تاريخياً، فقد اعتاد جرينسبان على أسئلة وسائل الإعلام وأعضاء الكونجرس حتى أصبحت الإجابة على هذه الأسئلة بصورة مبهمة أحد أهم مهاراته، يقول آلان جرينسبان في كتابه: “كنت أجاوب على الأسئلة بشكل مطوّل يوحي للمتلقي أنني قد أعطيت إجابة مفيدة، ولكنني في الواقع لم أقل أي شيء”، كالأجوبة التالية على سبيل المثال، والمأخوذة حرفياً من مناسبات مختلفة لجرينسبان

“The members of the Board of Governors and the Reserve Bank presidents foresee an implicit strengthening of activity after the current rebalancing is over, although the central tendency of their individual forecasts for real GDP still shows a substantial slowdown, on balance, for the year as a whole.”

“Risk takers have been encouraged by a perceived increase in economic stability to reach out to more distant time horizons. But long periods of relative stability often engender unrealistic expectations of it[s] permanence and, at times, may lead to financial excess and economic stress.”

“Clearly, sustained low inflation implies less uncertainty about the future, and lower risk premiums imply higher prices of stocks and other earning assets. We can see that in the inverse relationship exhibited by price/earnings ratios and the rate of inflation in the past. But how do we know when irrational exuberance has unduly escalated asset values, which then become subject to unexpected and prolonged contractions as they have in Japan over the past decade?”

تظهر بشكل واضح في الأجوبة السابقة مغالطة منطقية شهيرة وهي مغالطة “رجل القش” ــ إن صحت الترجمة ــ بحيث يوحى للمتلقي أو المستمع بأن الطرف الآخر قد جاوب على السؤال بشكل مباشر. من خلال بحث مصغّر، وجدت الاستبيان التالي من مؤسسة بروكنجز، والذي يلخص أهم الانطباعات حول طرق تواصل الاحتياطي الفيدرالي، وذلك من منظور الأكاديميين وشركات القطاع الخاص. كما هو متوقع، لم تأت النتائج لصالح الاحتياطي الفيدرالي، كما توضح الجداول والرسوم البيانية التالية، والتي قمت بأخذها من الاستبيان مباشرة

 

 

مع مرور الوقت، وخصوصاً في السنوات الأخيرة، أصبح الاحتياطي الفيدرالي أكثر شفافية في تواصله مع الجمهور وفي خطاباته، وسمح التطور التكنولوجي كذلك باستخراج معلومات أكثر من تلك الخطابات، فعلى سبيل المثال، تلجأ اليوم بعض الشركات ــ مثل شركة براتل ــ إلى لغات البرمجة والخوارزميات لتحويل بعض الكلمات في الخطابات والمؤتمرات الصحفية إلى إشارات وأرقام يمكن الاستفادة منها في عمليات التداول

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.