مسرعات المشاريع الصغيرة

sups

 تقع المشاريع الصغيرة في قلب البيئة الاقتصادية للعديد من الدول، فهي بمثابة الدينامو الذي يدفع بعجلة الاقتصاد إلى الأمام، ولعل ذلك يظهر جليّاً عند النظر إلى الاقتصاد الأمريكي في سبعينيات القرن الماضي عندما كانت المشاريع الصغيرة في ذروتها آنذاك، وكانت النتيجة ظهور عمالقة التكنولوجيا اليوم كمايكروسوفت وآبل، على سبيل المثال لا الحصر. تشير الإحصاءات أن المشاريع الصغيرة خلقت ما بين المليون إلى المليوني فرصة عمل خلال تلك الفترة، بغض النظر عن القيمة الاقتصادية المضافة لتلك المشاريع

 زادت شعبية المشاريع الصغيرة عالمياً بشكل محلوظ خلال السنوات الأخيرة، لاسيما مع التطور التكنولوجي وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى انترنت الأشياء ــ إن صحّت الترجمة لهذا المصطلح ــ، وزادت معها المنافسة بشكل كبير جداً، حتى ظهرت مواقع التمويل الجزئي للمشاريع والتي تهدف إلى تجميع رؤوس الأموال الصغيرة من ملايين المستثمرين جزئياً حول العالم بمبالغ زهيدة جداً، مما يبيّن قوة التمويل الجزئي كمفهوم تمويلي. بالطبع، مفهوم التمويل الجزئي ليس بالمفهوم الجديد، حيث كان موجوداً ــ ولو على استحياء ــ منذ سبعينيات القرن الماضي، وساهم بشكل كبير في انتشال العديد من اقتصادات العالم من وحل الكساد، ولعل أبرز مثال على ذلك التعافي الملحوظ لاقتصاد بنغلاديش والدول المحيطة عندما أخذ رجل الأعمال محمد يونس على عاتقه تمويل المبادرين في المدن الريفية الفقيرة. ولكن، الامتداد العملي الرائع جداً لهذا المفهوم هو ظهور مسرّعات المشاريع الصغيرة، وهي عبارة عن هياكل اقتصادية متكاملة تحتوي على جانب تعليمي وجانب آخر تمويلي للمشاريع الصغيرة، لتعمل عمل الحاضنة التي تحتضن المبادرين منذ ولادة الأفكار نظرياً حتى نموها عملياً لتصبح مشروعاً اقتصادياً متكامل الجوانب، عن طريق عقد ندوات ودورات تعليمية للمبادرين، بالإضافة إلى تمويلهم جزئياً، بآلية تشبه كثيراً إدراج الشركات الكبرى في الأسواق المالية

startup-accelerators-scouting-great-startups-for-them-5-638

 تنقسم مسرّعات المشاريع الصغيرة من ناحية الجهة المالكة أو الممولة إلى مسرّعات حكومية، وأخرى تتبع القطاع الخاص ــ وهي أشد تنافسية بكثير من تلك الحكومية ــ، لتمويل المشاريع الصغيرة والتي يغلب عليها الطابع التكنولوجي بشكل أساسي. بشكل عام، كما ذكرت في الفقرة السابقة، تتبنى المسرّعات المبادرين منذ بداية المشروع وحتى يقف على رجليه، لكن الفرق المحوري بين الحاضنات الحكومية والخاصة هو الضغط الهائل الذي يقع تحته المبادرين عند الحصول على تمويل من مسرّعات القطاع الخاص، والتي غالباً تلزم المبادر بجدول زمني معيّن، بالإضافة إلى تقسيمها للملكية كلّ حسب حصته التمويلية. لإعطاء صورة عن حجم المنافسة، يتقدم آلاف المبادرون على فرص الحصول على تمويل من الحاضنات الشهيرة ــ كـ واي كومبنيتر وتيك ستارز ــ ولكن لا يحصل على ذلك التمويل سوى 1% إلى 3% من مجموع المتقدمين. ولكن من حسن الحظ، ظهرت العديد من حاضنات ومسرّعات المشاريع الصغيرة اليوم حول العالم، وذلك بسبب الشعبية الواسعة التي حصلت عليها المشاريع الصغيرة، والتي أصبحنا نرى نتائجها الاقتصادية سنوياً، خصوصاً في القطاع التكنولوجي

accelerator-metrics

 عربياً ــ وخليجياً بالتحديد ــ، كانت دبي السباقة في عمل أول مسرعة أعمال في المنطقة، وهي مسرّعات دبي المستقبل: وهو برنامج مكثف يمتد على مدار 12 أسبوعاً بتنظيم مؤسسة دبي للمستقبل وحكومة دبي. وقد تم تصميم هذا البرنامج لتحديد التقنيات وبرامج الأعمال ذات القدرة على التعامل مع أهم التحديات والفرص في العالم. البرنامج موجه لكافة الشركات، والأفراد، وفرق العمل بغض النظر عن عمرها أو حجمها، ويمكن للشركات أو الأفراد التسجيل في البرنامج عن طريق الموقع الالكتروني للمسرّعة

توجه حاضنات الأعمال التقليدية تركيزها إلى مساعدة الشركات ورواد الأعمال في المبكرة، حيث تطبق النظام نفسه على الجميع كي يتعلموا شق طريقهم بأنفسهم. كما أن برامج التسريع التقليدية، تساعد مشروعك القائم لكي يبدأ بالنمو، ويجد مكاناً له في السوق. برنامج مسرّعات المستقبل مختلف عن ذلك كله. فهو يتعلق بتطوير المشاريع التجريبية، وتحقيق النتائج، لتحدث فارقاً على مستوى العالم. هدفنا هو مساعدتك لتخرج نماذجك الأولية السلعية أو الخدمية إلى عالم الواقع، مع شركاء حقيقيين، وتأثير حقيقي. في حين، بلا شك، يساعدك هذا الأمر أنت وشركتك على النمو والتوسع، فإن هدفنا لا يقل عن تحقيق تحولات وتغييرات أساسية في معظم الصناعات الهامة في القرن الواحد والعشرين

ــ مسرعات دبي المستقبل

 في الكويت، هناك توجّه واضح جداً نحو المشاريع الصغيرة، فهناك بوادر واضحة المعالم توحي بتحوّل البيئة الاقتصادية الكويتية إلى بيئة حاضنة أكثر للمشاريع الصغيرة، ولعل أبرز هذه البوادر التحرّك الواضح للصندوق الوطني لتمنية ورعاية المشاريع الصغيرة والمتوسطة ــ أحد أكبر صناديق تمويل المشاريع الصغيرة في العالم ــ في الفترة الأخيرة، كعمل مشروع تأهيل وتدريب المبادرين للمشروعات الصغيره والمتوسطة، وهو برنامج تدريبي متقدم للمبادرين وأصحاب الأعمال للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، يشتمل على أربع مراحل لمدة أربعة أسابيع، وبما يعادل حوالي 68 ساعة دراسية، بالإضافة إلى العديد من الدورات والبرامج التدريبية التي يقدمها الصندوق. بالإضافة إلى ذلك، ظهر مؤخراً قانون يقضي بجواز تفرّغ الموظف الحكومي لمدة 3 سنوات مشمولة الراتب، وذلك للتفرغ الكامل لإدارة المشاريع الصغيرة، مع إمكانية الرجوع إلى الوظيفة الحكومية في حال عدم نجاح المشروع، وهو ما يعطي المبادرين الضمان الكافي للدخول في المشاريع، لاسيما أن نجاح تلك المشاريع سيخفف بشكل رئيسي العبئ الحكومي في دفع الرواتب والأجور، ناهيك عن تحسّن البيئة الاقتصادية بشكل مباشر عندما تهيمن المشاريع الصغيرة على الاقتصاد الداخلي للبلد

ksme

 على الرغم من تلك البوادر الإيجابية، لازلت أعتقد أننا في حاجة إلى مسرّعات أعمال ومشاريع صغيرة سواء حكومية أو خاصة، حتى يُفتح باب المشاريع الصغيرة في الكويت على مصراعيه، فقد شاهدنا في الفترة الأخيرة مشاريع صغيرة ناجحة جداً في الكويت قامت على جهود فردية. بالإضافة إلى ذلك، بسبب طبيعة الاقتصاد الكويتي الصغير الحجم، ظهور المسرّعات الأعمال سيساهم بشكل كبير في خلق سوق مالي جديد بين الأوساط الشبابية، بمثابة البورصة الخاصة بالمشاريع الصغيرة، وعندما تكبر تلك المشاريع يمكن إدراجها في السوق الرسمي ــ سوق الكويت للأوراق المالية ــ حتى تعود بالنفع على الاقتصاد بشكل أوسع، لاسيما أن فرص الاستثمار في الكويت أصبحت شحيحة جداً، فهناك فئة لا يستهان بها من المستثمرين الذين يملكون رؤوس الأموال، ولكنهم يفتقدون القنوات المناسبة ــ ذات الحافز ــ لاستثمار رؤوس أموالهم. لا أعلم المستقبل، ولكنني متفائل نسبياً في البيئة الاقتصادية المستقبلية للكويت، لأننا نمتلك طاقات شبابية هائلة في بيئة لم تستغل إمكانياتها الكاملة لاحتواء المشاريع الصغيرة حتى الآن، فما زال هناك الكثير ليُستغل، وما زالت هناك الكثير من المشاريع التي لم تحصل على فرصتها

 

 

 

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.