تمويل المشاريع الصغيرة: أقل = أفضل؟

sups

 تغيرت معظم قواعد اللعبة الاقتصادية في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع بدء ثورة المشاريع الصغيرة ــ وبالتحديد قطاع التكنولوجيا ــ لتأخذ بزمام الأمور وتقود عجلة الاقتصاد العالمي. اعتادت شركات النفط والغاز قبل سنوات قليلة أن تتربع دائماً على عرش الصدارة، فكانت دائماً تأتي بالمقدمة في القيم السوقية، إلا أن هذه الصدارة تم انتزاعها مؤخراً من شركات التكنولوجيا بقيادة آبل، مايكروسوفت، وفيسبوك، كما هو مبين بالصورة أدناه. بالطبع، لا يمكن تصنيف هذه الشركات ضمن المشاريع الصغيرة، ولكنها بكل تأكيد أسهمت بشكل بارز بتشكيل المناخ الحالي الذي أتاح لشركات التكنولوجيا أن تبرز بهذا الشكل اللافت. أدى هذا البروز إلى لفت أنظار المستثمرين حول العالم، وخصوصاً المستثمر الرأس مالي الذي يركز على تمويل المشروعات الصغيرة بشكل أساسي. فعلى سبيل المثال، جمع أوبر ــ أحد أشهر المشاريع الصغيرة اليوم ــ حتى اليوم أكثر من 11 مليار دولار منذ بدايته في سنة 2009، وهو رقم يفوق قيم العديد من الشركات مجتمعة على بعضها. بالإضافة إلى أوبر، نجد اليوم عملاق التواصل الاجتماعي سناب شات يقيّم بـ 25 مليار دولار كتوقع أولي لمجموع قيمة إدارجه في مارس المقبل

largest-companies-by-market-cap-chart

(المصدر: Visual Capitalist)

لاحظ في الصورة أعلاه زحف القطاع التكنولوجي تدريجياً عبر السنوات. لكن، هل هناك علاقة طردية بين كمية التمويل التي يحصل عليها المشروع، واحتمالية نجاح هذا المشروع (والعكس)؟ إلى حد ما، لكن ليس بالضرورة. قرأت قبل عدة أيام مقال منشور في تيك كرنتش من قبل أحد مدراء فاوندر، وهي شركة استثمار رأس مالي تختص بتمويل المشروعات الصغيرة. قام الكاتب بمجهود رائع عندما جمع أكثر من 70 عملية إدراج في الخمس سنوات الأخيرة، ليتم دراستها وفحص العلاقة بين كمية التمويل، ونجاح المشروع على المدى الطويل. وُجد أن التمويل الهائل الذي تحصل عليه بعض المشروعات الصغيرة يؤدي إلى أمرين. الأمر الأول، بسبب التمويل الهائل، قد لا يتم توظيف هذه الموارد بالشكل الصحيح، فتجد بعض مؤسسي المشاريع يقومون بصرفها على البنية التحتية للمشروع مع إهمال الجانب الدعائي أو التسويقي للمشروع، مما يهدد نجاح المشروع بشكل كبير. الأمر الثاني، قد يخلق هذا التمويل ضغطاً كبيراً على مؤسسي المشروع، مما يخلق بيئات عمل مشحونة تعرقل سير العمل بالمشروع. بالتالي، على عكس ما يتوقعه البعض، أن تأخذ تمويل أقل من المستحق، أفضل بكثير من أن تأخذ كميات تمويل هائلة لا تعرف كيفية استغلالها، لأن التمويل القليل يتيح الفرص للحصول على تمويل أكبر في المدى الطويل، أما التمويل الأكبر الذي يقابله فشل، يقتل جميع فرص المبادرين بالحصول على كميات تمويل أخرى. لاحظ في الجدول أدناه التفاوت الكبير بين كميات التمويل التي حصلت عليها المشاريع التالية، هناك مشاريع لم تحصل على أية تمويل، بينما هناك مشاريع حصلت على أقل من 50 مليون دولار ــ وهو رقم قليل نسبياً ــ، ولكن على الرغم من ذلك، تجد هذه المشاريع ــ ذات التمويل القليل ــ تفوق في قيمتها السوقية العديد من المشاريع الأخرى التي حصلت على كميات تمويل ضخمة

 

 (المصدر: TechCrunch)

 لا أزال أعتقد ــ شخصياً ــ أن العلاقة الطردية بين كمية التمويل ونجاح المشروع ما زالت قائمة بشكل أساسي، خصوصاً في القطاعات الأخرى كالصناعات والأدوية، ولكن القصة مختلفة تماماً في قطاع التكنولوجيا، فلا تنطبق هذه العلاقة بشكل واضح المعالم، ربما بسبب طبيعة القطاع المتغيرة. ربما السبب الآخر أيضاً هو شح البيانات، لاسيما أن المشروعات الصغيرة في قطاع التكنولوجيا عادة ما تكون حذرة جداً في نشر بياناتها، خوفاً من إرسال الإشارات الخاطئة إلى المستثمرين. بالإضافة إلى ذلك، كنوع من التحيّز، يميل المبادرون عادة إلى المبالغة في تقييم مشاريعهم، طمعاً في إقناع المستثمر الرأس مالي، وهو ما يفسر بعض الهفوات للمشاريع التكنولوجية الفاشلة، لاحظ في الصور أدناه كفاءة المشاريع الصغيرة التي حصلت على كميات تمويل قليلة، عند مقارنتها مع تلك التي حصلت على كميات أكبر، نجد أن كفاءة المشروعات التي حصلت على أقل من 34 مليون دولار تفوق تلك التي حصلت على تمويل أكبر بـ 218 مرة، وهو رقم هائل جداً

 

(المصدر: TechCrunch)

 حتى عند إدراجها في الأسواق، تتمتع أسهم الشركات ذات التمويل القليل بأداء أفضل من المشاريع التي حصلت على تمويل أكبر، فوُجد أن الأولى ترتفع أسهمها بتموسط 89% بينما الثانية ترتفع أسهمها بمتوسط 22%، كما هو مبين بالصورة أدناه

(المصدر: TechCrunch)

 في الكويت، أعتقد شخصياً أن المستقبل لا بد أن يكون للمشاريع الصغيرة، بغض النظر عن قطاع تلك المشاريع. بالطبع، تختلف آلية تمويل المشاريع الصغيرة في الكويت عن تلك الموجودة في الاقتصاديات المتقدمة، لأسباب عديدة. لكنني على يقين تام أن المستقبل الاقتصادي في الكويت يخبّئ العديد من المفاجآت، لعل أبرزها التمويل الجزئي للمشاريع الصغيرة، أسوة بالمواقع الالكترونية الشهيرة التي تستعمل اليوم، فلا يمكن لأي اقتصاد أن ينتعش دون المشاريع الصغيرة، التي تكبر في نهاية المطاف، لُتدرج في البورصة، وبالتالي تقوم هي ذاتها بالاستثمار في مشروعات صغيرة أخرى للدفع بعجلة الاقتصاد إلى الأمام

 

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.