السياسات النقدية: النموذج السنغافوري

economics

 منذ ثمانينات القرن الماضي ومع بداية تحرر سنغافورة اقتصادياً وانفتاحها على الدول المجاورة والعالم الخارجي، تمحورت سياسة نقدية واضحة المعالم، على الرغم من اختلافها عن معظم السياسات النقدية التقليدية التي تتمحور بشكل أساسي على أسعار الفائدة ومعدل النقد. بسبب صغر حجم الدولة وانفتاح اقتصادها بشكل ملاحظ من خلال استقطاب رؤوس الأموال الاستثمارية بالإضافة إلى كونها حلقة وصل للتبادل التجاري في المنطقة، اختار البنك المركزي السنغافوري ــ أو السلطة النقدية، كما تسمى بشكل رسمي ــ أن يتحكم بشكل أساسي بسعر الصرف للدولار السنغافوري باعتباره المتغير الأهم في المعادلة السنغافورية الاقتصادية، لأنه المحدد الرئيسي لقوة العملة السنغافورية، لاسيما أنها دولة لا تمتلك أية موارد طبيعية يمكن الاعتماد عليها كنوع من أنواع الصادرات

 كباقي البنوك المركزية حول العالم، يربط البنك المركزي السنغافوري عملته بسلة من العملات  ــ لا يقوم بالإفصاح عنها ــ، ويكون اختيار هذه العملات بناء على حجم التبادل التجاري بين الدول مع سنغافورة، فكل مازاد هذا التداول، كل ما كان الوزن أكبر لعملة هذا البلد، حيث يقوم البنك المركزي السنغافوري بمراقبة أنماط التبادل بشكل حذر جداً، للأخذ بالاعتبار أية تغييرات زمنية في هذه الأنماط. بالطبع، يقوم البنك المركزي السنغافوري بالتدخل بشكل مباشر في أسواق العملات للحفاظ على قيمة عملته مقابل باقي العملات في إطار نسب معينة يقوم بتحديدها أسوة بباقي البنوك المركزية الأخرى

mpsg

 يبقى السؤال الأهم، كيف للبنك المركزي السنغافوري إذاً التحكم في أسعار الفائدة وعرض النقد لإبقاء معدلات التضخم ضمن الإطار المرغوب؟ بسبب الحرية الكاملة التي تمنحها سنغافورة لحركة رؤوس الأموال، تقوم قوى العرض والطلب بتحديد أسعار الفائدة في البيئة الاقتصادية المحلية لسنغافورة، بمعنى أنه إذا كانت فرص الاستثمار شحيحة في الدول الأخرى، يقوم المستثمرون باستغلال الفرص في سنغافورة ــ وهي كثيرة ــ وبالتالي يزداد الطلب فترتفع الفائدة، والعكس الصحيح. بشكل مباشر، أيضاً، وكما يعلم الجميع أن أسعار الفائدة تؤثر بشكل رئيسي في معدلات التضخم، أي في نهاية المطاف، سلّم البنك المركزي السنغافوري زمام الأمور لقوى العرض والطلب، مع إمكانية التدخل المباشر في أسواق العملات

 أثبت نظام السياسة النقدية القائمة على سعر الصرف نجاحه في سنغافورة، فبناءاً على إحصائيات البنك المركزي السنغافوري، كان متوسط معدل التضخم في سنغافورة منذ 1981 وحتى سنة 2010 لا يتعدى الـ1.9%، أي أقل من المتوسط العالمي لمعدلات التضخم، والذي يبلغ تقريباً 3.23%. يجب التأكيد هنا أن معدلات التضخم المنحفضة لا تعني دائماً نجاح السياسة النقدية، ففي الاقتصاديات الضخمة كالولايات المتحدة على سبيل المثال، معدلات التضخم المنخفضة قد تشكل كارثة اقتصادية إذا استمرت لفترات طويلة، كما يعاني الاقتصاد الأمريكي في هذه الأيام. ولكن بالنسبة لسنغافورة الصغيرة التي تستورد أغلب احتياجاتها من الخارج، معدلات التضخم المنخفضة جيدة جداً فهي تحافظ على القوة الشرائية للعملة. لذلك، عند اتباع سياسات التيسير الكمي، عادة ما يقوم البنك المركزي السنغافوري بإضعاف الدولار السنغافوري، مما يساهم بشكل مباشر في رفع سعر الواردات، وبالتالي ارتفاع سعر الفائدة على المدى الطويل

monetary_policy_v2

 أصبحت السياسة النقدية الفريدة لسنغافورة محط أنظار العديد من الأكاديميين، حتى أصبحت موضع العديد من الدراسات المنشورة في المجلات الأكاديمية

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.